الماهدون في المهجر – إيليا أبو ماضي
ألا و بعون لو أنّها تتكلّم ... لروت لنا قصص للعظام عنكم
و لحدّثتنا عن أعشاشكم ... طرتم بأجنحة المنى إذ طرتم
يوم الفراق كظمتم آلامكم ... و أخفّ من ألم الفراق جهنّم
و بكى الأحبّة حولكم و جفونكم ... تعصى البكا ؛ حزن الجبابر أبكم
أيد تودّع موطنا و عشيرة ... و مطامح خلف البحار تسلّم
ضاقت على أحلامهم تلك القرى ... فاخترتم الدنيا الوساع لتحلموا
و غزوتم الآفاق لا زاد لكم ... إلاّ الصّبا المتوثّب المتضرّم
كاللّيث ليس سلاح في السّرى ... مخالبه التي لا تلثم
تتخيّلون البحر شقّ لتعبروا ... و انداح بين الشّاطئين لتسلموا
و الدّرّ مخبوءا لكم في قاعة ... كي تخرجوه و تغنموا ما شئتم
و الموج ‘ذ يطغى و يهدر حولكم ... جوقا لطرد همومكم يترنّم
و إذا النجموم تألّقت تحت الدجى ... خلتم لأجلكم تضيء الأنجم
و حسبتم شمّ الجبال سلالما ... نصبت لكم كي تصعدوا فصعدتم
و الشمس منجم عسجد متكشّف ... لذوي الطموح و أنتم أنتم هم
و لكم تلثّمت الحقائق بالرؤى ... كالأرض يغشاها السراب الموهم
لتطلّ من أرواحنا أشواقها ... فنطوف حول خدورها و نحوّم
لم تقنعوا كالخاملين بأنّكم ... لكم شراب في الحياة و مطعم
لو أن تكون حياتكم كحياتهم ... عبثا يموت به الوقار و يعدم
و تأففا في اللّيل و هو منوّر ... و تبرّماا في الصّبح و هو تبسّم
لو أن يكون ترثكم كتراثهم ... قصر عفا أو هيكل متردّم
و حديث أسلاف قد التحفوا الفنا ... فهم سواء فقي القياس و جرهم
من يقترب من أمس يبعد عن غد ... و يعش مع الموتى و يصبح منهم
و كرهتم أن تنقضي أيامكم ... شكوى لمن يرثي و من لا يرحم
أو أن يبيت على احضيض مقامكم ... و الدود يزحف فوقه و الأرقم
فنفرتم كالنحل ، ما من زهرة ... فيها جنى ، إلاّ و فيها مغنم
في كلّ شطّ مارد ، في كلّ طود ... قشعم ، في كلّ واد ضيغم
المجد مطلبكم و أنتم سهّد ... و المجد حلمكم و أنتم نوّم
لا شيء صعب عندكم حتى الردى ... ألصعب عند نفوسكم أن تحجموا
يا بضعة من أمّة ... هي أمّة
فيكم جميع صفاتها و خلالها ... و الروض يحويه عطورا قمقم
إنّ الألى الجهاد عليكم ... علكوا مداركهم و لم يستطعموا ...
طلبوا السلامة في القعود ففاقهم ... درك الثراء و بعد ذا لم يسلموا
هؤلاء دود القزّ أحسن منهم ... و أجلّ في نظر الحياة و أفهم
قالوا كهول قد تصرّم عصرهم ... ليت الشّباب من الكهول تعلّموا
إن لم تشيدوا كالأوائل " تدمرا " ... أو " بعلبك ّ " فإنّكم لم تهدموا
و لكم غد و جماله و بهاؤه ... و لكم من الأمس النفيس القيّم
حدثت نفسي و القطار يخبّ بي ... عجلان يخترق الدذجى و يدمدم
فسألها مستفهما ، لربما ... سأل العليم سواه عمّا يعلم
ما أحسن الأيّام ؟ قالت : يومكم ... و النّاس ؟ فابتدرت و قالت : أنتم
و الدور ؟ قالت : دوركم . و المال ؟ ... قالت : إنّ أحسنه الذي أنفقتم
و الحسن ؟ قالت : كلّ ما أحببتم ... و الأرض ؟ قالت : أينما استوطنتم
ما كان أكمل يومكم و أتمّه ... لو لم يكن في مهد عيسى مأتم
و كذا الحياة ، قديمها وحديثها ، ... ذكرى نسرّ بها و ذكرى تؤلم
لا يوجد تعليقات حالياً