كلمات

klmat.com

أبدية بلا نهاية – غادة السمان


قصف ... قصف ...

هات قطناً وكحولاً طبية وشاشاً ،

هات جبيرة ،

لنلفّ بها ساق الشرفة البحرية المكسورة.

هات تعويذة ،

نرد بها غضب الأسلاف والأجداد .

هات إبرة وخيطاً ،

لنرتق جرح القلب والكبرياء .

وحكِّم "مكمورة" الأطفال و "القجة"،

لنستخرج منهما جزيرة الحلم ،

ونهرب إلى أفيون ذكريات الآتي ...

لقد اصطفى الحزن هذه المدينة ، و صوّت لها الموت

بالإجماع...

ها نحن نرتعش ذعراً داخل أكياس الرمل، والقصف يزلزل

عظامنا...

يفخّخ جماجمنا من الداخل ثم يفجّرها...

نحلم بملمس العشب البرّي على الشاطئ...

نعلن بكبرياء الندم: أولئك الذين كتبناهم بالمحبة كرسائل

العشّاق المراهقين ، خرجوا من أحلامنا جلادين .. .

وها هم يعربدون في ثقوب قلوبنا،

يتّخذون من صماماتها متاريس لعبهم ...

لقد غدروا بنا يا صديقي...

حبلنا منهم بالأحلام الكاذبة، فولدنا الفقاعات والرماد...

تعثّرنا بقلوبنا.. ولكنني أقسم بدمك ذاك الذي يسيل

بهدوء حتى البالوعة وأقسم برأسك المقطوع العائم في سواد

الملجأ بلا جسد: لن نستسلم لكرنفال غسيل الذاكرة...

قصف... قصف...

وأنا تعبتُ من نظراتٍ غامضة...

تتهدد بالشرّ والوعيد كالأزقة الخلفية المعتمة...

تعبتُ من وطن يسلبني حق التصويت...

يمنحني فقط "حق الذبح": أن أكون ذبيحة

لي أن أختار بين أن أكون ذبيحة أو أنضم إلى فريق

الجزّارين...

أنا لا أريد أن أَقتل ولا أن أُقتل...

أريد أن أحيا تحت سماء صافية حتى من غيومها، بعيداً عن

هباب البارود فوق البراعم...

هل تذكر يا صيديقي أيام كان رجال شرطة السير يحررون بك

مخالفة بدلاً من مسلحين غامضين، يعتبرون حياتك "مخالفة" لا

تُغتفر... ويسوقونك إلى الذلّ الإجباري كل ليلة؟

هل تذكر مرحنا في شوارع مضاءة لم يكن اسمها "نقاط

تماس" ؟

وكيف كنا نتدفق إلى البحر في شواطئ لم تكن "مواقع

استراتيجية"؟ وكيف كنا نصافح جارنا ونسأله عن صحته بدلاً من

دينه وملّته وطائفته وأمير حربه وذخيرته؟

كيف تركناهم يسرقون منا أحلامنا ، وأكبادنا، ليشحّموا بها

أسلحتهم وجنازير دباباتهم ؟

كيف رضينا باستبدال رمال الشواطئ بأكياس الرمل في

الملاجئ ؟

كيف تركناهم يقصّون زيتوننا العتيق ويبيعوننا إياه كوماً من

التوابيت بدلاً من سرير عرس؟

كيف لزَّمناهم مزايدة "العدالة الاجتماعية" ، فأسلمونا للحزن

بين القصف والمجاعة؟

هل تتذكر أيام كان الفرح نضراً كخسّة وبريئاً كالكرز، وكنا

نريده أن يعمّ الجميع وصدّقناهم؟

هل تتذكر أيام كان المشي في الشوارع لا يُعتبر تهمة زنا مع

الفرح والحرية؟

هل تذكر كيف كان الأطفال يذهبون إلى المدارس دون أن

ترافقهم "مارشات" القذائف هدية من "ماريشالات" الدمار؟

حذار من الذاكرة مرة،

وحذار من النسيان ألف مرة...

قصف...قصف...

ولكنني لن أنسى كيف احتضنتني بيوت القرميد في تلك

التلال والشواطئ...

لن أنسى كيف سندتني جبال الصوان واحتواني كفّ البحر

المشمس...

لن أنسى كيف انفتحت لي الحقول والقلوب ككتاب، وحنت

السراخس وأعشاب الليل على جرحي...

لن أنسى كيف أحاط بي دفء الطيبين واحتوى أبجديتي

كالرحم، وكنت متوحشة كنبع ارتوازي، وبريئة كنبع لا يد له في

تدفقه...

لبنان، الكلمات إطارات نجاة مثقوبة في بحار حبك

المضطربة... فماذا أقول وأنا سمكة كان بحر بيروت لها محبرة

حرية؟

من ينسج هذا الحنين إليك في حنايا روحي أيها البعدي القريب؟

لم أعدْ أعرف، هل أشتاقك، أم أحب نفسي كما كانت في

زمانك؟

أأحنّ إليك، أم إلى وطن عشناه معا وكان إمكانية تعايش

عادل بين الطوائف... خطوة نحو المحبة أي حضارة إنسانية؟

أما زلتُ أحبك حقاً ، أم أحبُ عبرك ذلك الحلم ، وتلك

الساعات الهاربة إلى المستحيل؟

قصف...قصف... تسعل الجبال ناراً وتبصق حمماً...

وترتجف جدران قلوبنا وتتهدم قبل ولوج الملجأ...

الذين صدّقناهم حين اقتطعوا لحمنا وقالوا قضيّة، جعلوا منا

مطيّة...

قصف... قصف...

فمن يعلّمني، كيف أزغرد في عرس قاتلي؟

وكيف أجفف بإسفنج الخوف،

دم المذابح، وأتغزل بالسكاكين المحدقة بي؟

من يعلّمني،

كيف أرحِّب بالمشانق في الديار، وأصفّق لقرار نفي

الأشجار؟

فلتسطعْ شمس الصدق المميتة فوق الحريق، ولتشهدْ على

روح تنصهر عشقاً لبردى وشط العرب والبحر الأحمر والأبيض

والنيل والبردوني من محيط القلق حتى محيط الظلمات..ز

ولتظل اللغة خادمة لإله الصدق لا لأرباب الحرب ودماها

وأُمراء الخراب...

أربعة عشر عاماً ولم يخجلوا... وهم يجلسون تحت

القرميد ويتشاجرون على حكم البيت بحجة إصلاحه.. وما

زال الشجار مستمراً رغم أن البيت تداعى بأكمله واحترق ولم يبقَ

ثمة ما يقتسمونه غير جمهورية الحزن والرماد والجثث التي ماتت

ولكنها لا تزال تركض بين الملجأ والمستشفى والمقبرة كالدمى

المتحركة...

أحفاد لعنة أوديب العربي، أولئك الحمقى الذين يتعاقبون

على قتل أبيهم منذ أربعة عشر عاماً، ما الذي سيفعلونه الآن وهو

يلفظ أنفاسه بين أيديهم الملوّثة بدمه؟

تباركت الذاكرة العنيدة كحمار:

أذكر أننا كنا ننادي في شوارع بيروت بفلسطين والحرية

والعروبة،

فصرنا لا ننادي اليوم بغير اللقمة والاستحمام والنوم ووقف

القصف... هكذا تقضي المؤامرة الشاسعة...

قصف...قصف...

أيها الهواء الذي يختنق مثلي، ساعدني...

أيتها النوافذ التي تتحطم فوق رأسي، ساعديني...

أيتها المرأة التي تلفظ أنفاسها عند عتبة الملجأ وتبدو لا مبالية

بشيء، ساعديني... كي أرضى بأن أموت مثلك ضحيةٌ، بلا

قضيّة، مجرد مطيّة...

قصف... قصف... وأنا في الملجأ أتظاهر بالنوم كي لا

يسألني أحد عن الساعة فأنفجر باكية...

أتابع سقوطي في تلك البئر كالريشة وأتأمل في الوقت ذاته

ارتطامي بالجدران...

قصف... قصف... متى ينجزون تدمير المدينة ويدعوننا

وشأننا؟

متى ينجزون سلخ جلدنا، واستئصال حناجرنا، وغسيل

ذاكرتنا كي نستعيد دمنا المختبئ في الخوابي، ونغادر علب

المعلّبات المعدنية التي انغلقت علينا منذ أربعة عشر عاماً؟

متى يترجّل البكاء عن أحصنة الارتجاف الأخرس وينام بسلام

على وسائد التنهُّد؟

قصف على الذاكرة... قصف... وكلنا مطيّة، فماذا كانت

القضية؟

______

3/8/ 1989

التعليقات (0)

لا يوجد تعليقات حالياً

أضف تعليق

كلمات قسم غادة السمان

عاشقة يروادها البكاء عن نفسها – غادة السمان

… ولم يعد المطر يهطل على الورقة حينما أخطّ اسمك عليها.. ولم تعد العصافير تقطن أعشاش حروفه ونقاطه… ولم يعد قلمي يغرورق بالحنين، ويحاول الانتحار حينما أسطّر به عبارة “وداعاً” لزمنك.. ولم تعد محبرتي تستحيل بحراً شاسع الزرقة والضوء وهي تسيل حباً...

عاشقة الفراق – غادة السمان

وسوسني الحب، وسوّل لي أنني غابة شاسعة تحت القمر.. فلم ألحظ تلك الليلة، أنني لستُ أكثر من شجرة أحرقها الإعصار، ولم أسمع أصوات الحطّابين وهم ينهالون بفؤوسهم على جذعي… يا صديقي، تبادلنا الأدوار مرة أنت المطرقة، ومرة أن المسمار… ويضحك في سره...

عاشقة منتصف الليل – غادة السمان

عبثاً أطلق سراح نزواتي الغجرية من حضورك المهيمن اللاملموس عبثاً أنهال بفأسي على ظلك فوق جدار عمري فينهدم الجدار، ويبقى الظل… لست من اللواتي يحوّلن الحب إلى مروحة صدئة لا تتقن غير الدوران في سقف الانتظار وحبك يطلق سراحي حتى من حبك...

عاشقة الأوهام الحقيقية – غادة السمان

كثير من الأصباغ والأقنعة والقهقهات البكائية كثير من ثرثرة دخان السجائر والأحلام الرثّة كثير من القلّة والقحط.. وها أنا وسط ذلك الجنون الهذياني الموسمي وحيدة في الركن، نملة على طاولة الكؤوس الثملة أخط هذه السطور إليك لأقص في ورقتي البيضاء نافذة أقفز...

عاشقة السرّ – غادة السمان

رجل ممحاة أصابعه تمسح ضوضاء الذاكرة وتعيد القلب سبورة نظيفة لطباشير الأطفال الملوّنة. رجل زئبق، تخسرينه إذا حاولت الإمساك به. عصفور مستحيل يحترف إضرام النار في الأقفاص. رجل مجرّة، لا يطيق سجن البحر الشاسع راحلاً أبداً إلى ما وراء جدار الأفق. رجل...

عاشقة الأسرار العلنية – غادة السمان

أيتها المرأة، ماذا تريدين؟ أريد المزيد من الأصابع لأشير بها كلها إليك، وأصرخ: هذا حبيبي. أيتها المرأة، كيف بدأت؟ ولدت طبعة غير منقحة لكتاب أحرقه جدي مرات ومرات… ثم دفن بقاياه في الرمال والرماد.. ومنذ ألف عام وأنا أقضي عمري، في إصدار...

عاشقة نسيها النسيان – غادة السمان

أيتها الغريبة، أما زال في قلبك متسع لحبّي؟ حبك لا يتسع له النسيان يا سيدي… ولكنك تحاولين مسح توقيعي عن جلد زمنك بممحاة الزمن… أقتلك عند منتصف الليل، وأتركك في الحي اللاتيني تتخبط بدمائك، وحين أعود منهكة لأنام، أجد شبحك متربعاً فوق...

عاشقة مطعونة بالذاكرة – غادة السمان

ما الذي تفعليه الليلة؟ أهبّ على رياحك، وأتساءل: هل في قلبك متسع لأحزاني؟ وهل في الليل متسع لجنوني؟ وهل في وطني متسع لتمردي؟ وهل في الموت متسع لموتي؟ وهل في الهذيان متسع لرفضي؟ وهل في الأفق متسع لصهيل رحيلي؟ وهل في الورقة...

كلمات مختارة

كتبت من الشعر – اصيل هميم

كتبت من الشعر في كل معنى ولكن وصف زينك ما بلغنا انا وشلون اوصف زين روحك وذاتك حسنها ما قد شهدنا اشوف الصبح في طلعتك يباسم وبخجلك غروب الشمس شفنا احبك .. حب صقار لطيره يعاف النوم لو ريشه تثنى واحبك .....

تجيني حلم – سلطان خليفه

ابي حبي معك دايم ولا ودي معك اخسر انا ياعمري بك هايم لغيرك لم اعد انظر تجيني حلم ل النايم وانام اكثر انام اكثر اخاف اني وانا قايم ما عاد القاك واتحسر الا ياحاجة الصايم ضميتك ما قدرت اصبر علامه جونا الغايم...

قالوا عني ايه – محمد حماقي

‎قالوا ايه .. قالوا ايه ما تفهميني قالوا ايه .. ايه اللي عينيكي بتداريه قالوا عني ايه .. قالوا عني ايه ‎قالوا باع .. ومكانش حبي ليكي عن اقتناع .. وان اللي بينا كان خداع صدقتي ليه .. قالوا عني ايه ‎بيجيبوا...

تستاهل العنوة – راشد الماجد

لا تشك في زود الغلا .. انت بالذات تركت .. داري وكل اهلي .. وجيتك لا ما امنعتني أرض عنك وسماوات رغم الظروف تلقى خفوقي في بيتك لو طوقوا .. جوي .. ليالي .. طويلات لا اقطع بحوري والصحاري لعينك ما همني...

يا مغرور – سيف نبيل

لو تدري ودوني عيونك الوين الوين من اول نظرة حبيتك مرتين مرتين يمك مرتاح البال وكلش زين و زين و زين و زين و زين و زيييين ما هزني احد عينك وكعتني وكعتني ضحكتك فرت راسي ودوختني دوختني ببساط الريح احضانك طيرتني...

بحن من فلم الكراش – نانسي عجرم

بروح واقابل أقابل واجي واروح والقاني بعدك من غير روح أروق واحن احن احن كل الوعود يا حبيبي ولا الحلفان بنساها وارجع زي زمان راكبني جن بحن بحن طب هعمل ايه بحبك احب كام مرة وانا مسلوبة الإرادة ورا قلبي متجرة ببعد...

اثبتلي حبك – حمزة المحمداوي & مصطفى ابراهيم & ياسر عبدالوهاب

اثبتلي حبك احچيلي شي صح لم گلبي لمه وخليه بيك يفرح … ماعندي كلمه كل الي بيه اريد اوصيك حبيبي عليه … وعوضني عمري الراح خليني بيك ارتاح لتهملني وتنسى حظني اوعدني ماكو اجراح… ما اريد اهموم حبني يوم ابيوم وابقى شاعل...

الصوت الحيدري – سيد سلام الحسيني

حيدر حيدر حيدر حيدر حيدر حيدر حيدر حيدر حيدر حيدر حيدر حيدر الوعد الصادق علي المنصور الأولي الصوت الحيدري كبّر حيدر حيدر بيّن عزم للمهدي المنتقم واللي كابل علي يخسر إشما تنوي عله الحرب تنهار وتنغلب تذكرك حربي برعب خيبر حيدر حيدر...

Powered By Verpex

Powered By Verpex