كلمات

klmat.com

رسالة 2 – سيف الرحبي


عزيزتي:

البارحة أمطرت

بينما الناس نيام

خلسة تمطر، بعد أن تحوم السُحب المحتدمة

لأيام مشرئبة الأعناق والأطياف

لا تكاد تحدق فيها الأعين العطشى

إلا وتضمحل حافرةً أثرها الموحش، لتمطر

في أراض أخرى مخضّلة بنعمة المياه وبهاء

المواسم التي لا ينقطع فيضها.

السحب التي طال انتظارها ونُحرت من أجلها القرابين وأقيمت الصلوات في أعماق الأودية الممحلة.. حتى الأطفال والمسنون والأرامل هرعوا حاملين أكياس الطحين والقمح إلى المسجد الغارق بين فجاج صخريّة وعرة.

السحب التي منذ كنا صغاراً، لا نجرأ على النظر إليها، كيلا تتلاشى،

وتُبقى على الأمل البسيط للحقول والأفلاج

التي تتلوى وتئن كحشد من الجرحى والمصابين

في حرب عبثيّة.

أمطرت سريعة في ليل النيام، سرابها الماكر استدرج الجميع إلى شراكه وجعلهم يحلمون.

إنها الحياة، نراها في مرآة سحب عدميّة

تلعب بأحلام البشر..

اليمامة تعرف بحكم الخبرة، أن قدرة فعل الخير لدى البشر محدودة مع ذلك تطارد صيادها وتهدل بالهداية.

مضى الزمن الذي كان فيه الصِبية يتحلقون حول المدفأة وشفاههم ترتعش على لهب الحكايات.

لم تعد هنالك مدفأة. لم يعد برد ولا حكايات، لم يعد هنالك وادٍ مياهه تسيل مع الغروب، ذاهبة للمطلق. لم يعد الجن ولا الظلمة التي تتآمر اشباحها بعذوبة وفزّع. لم يعد ثمة صِبية. لم نعد نحن. لم يعد العالم.

مدن تحترق

وأخرى تحوم في سمائها الكواسر

خطر له، أن الزمن في خضمّه اللانهائي

هو ذلك المحيط المتلاطم، وليس البشر سوى حشرات حائرة محكوم عليها بالموت سلفاً، تجّدف في مستنقعاته اللزجة.

المرأة التي تستلقي على أديم المياه المتموج في البركة، ويدها إلى أعلى ملفوفة بضمادات نظيفة تجعلها أكثر إثارة وفتنة..

الجرح الظاهر، ربما يقود ويذكّر بوحدة الجرح الخبيئ في ظلامه الناسك الحنون.

الشهوة قرينة المأساة غالباً.

في الخلاء الذي تفيض وحشته وتشخب من كل ثقوب الفضاء المحيط.. القسوة في أعتى صورها وأكثرها اختناقا، تنزل المرأة ديمةً،، على الأرض التي هجرتها الرحمة ورمت بها إلى أقصى درك

في الجحيم.

نظل نحدق في وثن الجمال الفريد حتى الإغماء

افترقا في الحلم بعد عناق طويل لينتقلا الى الواقع.

تلك قصة الطرد الشهيرة للجد الأكبر وذريته التي مازالت تصارع أمواج التيه؟

صباح الثلاثاء.. الطقس مازال باردا جدا. استعيد اليوم الذي كنت فيه داخل كابينة التلفون حين راحت تعتم تدريجيا حتى تلاشت الحروف أمامي نهائيا ولذت من جنون الإعصار بأنفاق المترو.

أنزل إلى مطعم القطار، ثلاث جميلات أمامي مما جعلني أبطئ، إحداهن يابانية، خطر لي على الفور فيلم أوشيما (امبراطورية الحواس).

أنتظر مكالمة من خليل على ضوئها يتحدد موعد الطبيب اليوم أو غداً وأقرأ:

لقد كان في أهل الغضى لودنا الغضى

مزارُ ولكن الغضى ليس دانيا

لما رأى لـبدَ النسور تطايرت

رفع القوادم كالفقير المعدم

مشرق نهارك هذا اليوم وأنت تمضي الى مجهولك اليومي من غير أن تفكر في شيء حتى ولا محطة تصل إليها أقدامك..

الطرق تشبه بعضها حتى تخالها طريقا واحدا من غير نهاية، والأشجار أفرغت حمولتها الأخيرة من الدمع، ربما تذكرتْ أول مسافر مر عليها، أول طائر حط على غصنها عبر رحلته الطويلة.

البارحة، كان عيد الميلاد، جاءتني أكثر من دعوة لهذه المناسبة.. لم يعد عندي أي إحساس احتفالي بأي مناسبة جماعية مهما كان منبتها ومبررّها. ذهبت لأشاهد فيلم (الشعب المهاجر) تلك القصيدة السينمائية حول الطيور. سموات وأراض حالمة وكابوسيّه تجتازها الطيور المهاجرة

كم من قناص وحشي فتك بها. كم من عواصف وانهيارات ثلجية، من براكين وجوارح وصحاري هرمة ليس عليها أي نبات أو علامة حياة. كم من الجنان والمدن في رحلاتها الشاقة على مدى الأكوان.

هكذا من غير بيانات ولا كلام ولا إعلانات ولا كلمة شكر وامتنان من أحد.

لا يثق إلا بالوهم، بعد أن عزت عليه الحقائق وشفّت حتى تلاشيها بالكامل.

يفسحون الطريق لمزيد من الجنائز هذا اليوم.

عناق فريد بين شجرة اللبلاب والحائط، هي تسند هشاشتها على صلابته، وهو يسند صلابته على هشاشتها الغضة.

تفتح النسمة شرايينها للرعد

كي تتحول هي الأخرى إلى عاصفة هوجاء.

الشجرة العارية أمامي.

كم من الفصول مر عليها، كم من خريف

يسكن أحلامها في هذه اللحظة؟

أمحو أيامي كي أحييها على خارطة أوهام أخرى.

يخضج المطر في الخارج،

فتخضر الوحشة في أعماقي

ليس للغياب مكان بعينه، انه الأمكنة جميعها، المدن والقرى والدساكر، المحطات ومخدع الجنس السائل بلعاب اللذة الناقصة.

وهذا الصخب الذي يكتسح المدينة نهاية العام

البحر يلفظ أعشابا وطحالب وقناديل ميتة، يلفظ جثثاً، وفاكهة متفسخة، البحر هذا المساء، يجدد نفسه يتطهر مما علق به من عفن الأزمان. ضرع الأرض الكبير المحتشد بالخير والجمال والشدة، يقذف أحجاراً بركانية مشعة..

الشناجيب تسرح مرحة بلون الذهب، والقمر يتزحلق فوق تلال السماء متعثرا

بأجسام الشُهب والكواكب السيارة.

مالك الحزين يرفع نخبه عاليا

لهذه الليلة القمرية المدهشة.

التعليقات (0)

لا يوجد تعليقات حالياً

أضف تعليق

كلمات قسم سيف الرحبي

مقاطع 3 – سيف الرحبي

الجسد الجريح يخبط الماء ناسيا خلفه السنوات أي نسيان هذا الذي لا يتركك تنام؟ اليوم تكسر السيجارة كأنما تكسر السنوات لأنك لا تستطيع التدخين كما كنت تفعل في الماضي مطلا من النافذة الى الصباح والثلج والطيور الى جبل ((فيتوشا)) الى النساء تنضح...

أسرح النظر – سيف الرحبي

أُسرّح النظر برهافة الغياب فأرى الأربعين تلهث من غار الى غار ومن مدينة الى أخرى وعْلاً فاجأه هياج القنّاص جنديا نسي عدته في المعركة باحثا عن سراب استراحة فأسا ينفصل عن رأس عاشقه بعد سنين من العناق مسافرا في ليل نواياه. أطلق...

أحلام القدماء – سيف الرحبي

أحلام القدماء تلك التي تفعمني برائحة الموتى في السرير أراهم يختالون في حدئقهم المليئة بالسناجب في غسق المقابر مشيرين إليّ بضراعةٍ وعنف أن التحق بالقافلة رغم عواء كلبها الجريح. وربما غير ذلك لا أكاد أتبيّن الاشارات في ظلام المقابر الدامس. عيونهم مَغْمضَة...

في واد مكتظّ بالأفاعي والزرافات – سيف الرحبي

في واد مكتظّ بالأفاعي والزرافات رأيتُ الرجال الشّقر يرمون اللحم للنسور ويلحقون بها خفية حتى تحط في مكان آخر من البيداء: كان ذلك دليلهم الهندسي الذي يقودهم نحو مواطن الألماس. طريق الحرير جسر الغرب نحو الذهب رأس الرجاء الصالح ابن ماجد في...

لا أرى شيئاً – سيف الرحبي

لا أرى شيئاً لا أسمع شيئاً غارقا في ظلام مقابري حتى بقايا العنادل والعصافير البرية وطيور أخرى جلبت من نواحي ((تايلند)) وبحر العندمان والتي كانت تذكرني بالحياة، سكتت دفعة واحدة كأنما نزفت صوتها للمرة الأخيرة أو قطعت عادتها اليومية. كذلك الكلب النابح...

الشجر الذابل أمام بيتي – سيف الرحبي

الشجر الذابل أمام بيتي، أرقبه كل صباح وأنا ذاهب الى العمل وكل مساء وأنا قادم من البحر، وقد أرخى سدول أيامه بيأس أمام سطوة الجبال والمآذن والعمائر المأهولة بالجفاف وبمخلوقات زنخة تفوح من اردانها جثة العالم المتفسخة منذ قرون. أرقب الشجر، شجر...

الباشق الذي كان ينقض على السلاحف – سيف الرحبي

الباشقُ الذي كان ينقضّ على السلاحف والأسماك في القيعان البحرية المثلّمة، وفي الكهوف والخلجان، أراه الآن يحوّم مع إناث خياله في هدوء سماء لم تعد تحلم بالنجوم والمفاجآت. سماء خرساء بمجراتها الهرمة كأبراج مدينة منكوبة وبرك تتموج تحت نعيق الغربان ومفارش الخريف....

هذا الوجه أين رأيته ، أين صادفته ؟ – سيف الرحبي

هذا الوجه أين رأيته، أين صادفته في مهب أحوالي ومعترك مدائني: في الحلم أو اليقظة، في الشرق أو الغرب بأي ساحة أو مدينة وزقاق. في الدخان المتصاعد من حناجر الغرقى، في المتوسط وبحر إيجة، كازنتزاكي، يتنزه بين عظام الاغريق، في البحر الميت...

كلمات مختارة

بعد اذن الشوق – كنزي

من بعد إذن الشوق واذنك وإذني من بعد اذن احساس صمته تمنّاك امسح على قلبي واهمس بإذني واحضن كفوفي كل ماحان مسراك زدني غلا طالبك واحساس زذني دام المشاعر والحنايا تحرّاك ياكل هالدنيا … ويا جزء مني العمر وشهو العمر لا صار...

مفرفح – ماجد المهندس

خل اشوفك هسه اريدك لاتطولها عليه انت مو واحش عيوني انت واحش كلشي بيه شوف وين انته وانا طيارة اجيك ياعشق روحي ترا مفرفح عليك يالحلو كُلك اموت بكل شي بيك بايع الدنيا حبيبي ومشتريك بعد روحي و روح قلبي من مغرم...

لولا البنات – عمرو دياب

متدلعين متعطرين وحنينين متبخرين متدلعين متعطرين وحنينين متبخرين عملوا الحرير يا ولا، شبه البنات لولا البنات يا ولا لولا البنات كان بار الورد يا ولا في الدكانات غزل البنات يا ولا، طعم البنات الفل طالل يا ولا م البلكونات سكر نبات يا...

عقلي أكبر مني – جوري ماهر

عقلي سابق سني وانتو مش فاهميني دماغي ماغي كبيره وانتو اصغر مني كفتي انا طابه ايوه بابي ربي طعم حلو مسكر صوص عسل بمربي هتحسدوني ما تحسدوني لو شطار بقي حصلوني ولا انتو شبهي مامي بابي شبهي مدلعيني وبيظبوني عقلي سابق سني...

سوالف عشق – راشد الماجد

سوالـفنا عشق .. يا المغرم الصاغي تقــول الروح: روح الروح لك فـدوه وقــلبي لـو شكــا مـن حــبك الطاغي تلــوّم في العَــرَب من حَـضْره وبَدوه عـلى وعــد اللقـا لو مـوعــدك لاغي كـأن النبض مُهْــرٍ مــا وقـف عَــدوه فـلا شـاح البصر عـنّـك .. ولا...

مولعينها – تامر حسني

تسقيفه لينا علشان بندلع نفسينا بنهدي الدنيا والدنيا دي صعب تهدينا ولعبنا السهله ومش سهله انها تلعب بينا احنا نقوم بيها لاكن عمرها ما تقوم بينا مولعينها مولعينها وناس كتير شافت بعينها فاكرينا قال ايه مريحين دي اشاعه واحنا مطلعينها تحيه لينا...

عرش بلقيس – راشد الماجد

خذ شور عاقل ثم تعوذ من إبليس بعض النصايح ما تقدر بالأثمان ويش اللي جاب من اليمن عرش بلقيس لو ما لفا بالعلم هدهد سليمان ترى الزعل والحزن وكثر الوساويس تضعف نياط القلب وإتصك شريان ما قول لك لاتحب حب بمقاييس ع...

سويلي موعد – ماجد المهندس

سويلي موعد يم هلك لم الحچي واستعجل ارد انهزم بيك انهزم لا تطول ولا تأجل خاف اضعف وانهي العقل واسوي شغلة تخجل احبك وكلي الك التاريخ خلي يسجل ادگ الباب وادخل لابو غمازة تكتل واحچي اللي بگلبي اموتن بي وربي لگيت اللي...

Powered By Verpex

Powered By Verpex