هذا ما كتبه محمد بن عيسى الصيداني قبيل موته – أدونيس

1

سبقوني إلى زَمَنٍ آخرٍ

دخلوا في عيونٍ من الحلْمِ في جسَدٍ من ضياءِ…

إنّ جسمي يُقاتِل جسمي،

وحنيني

جارِفٌ كي أسافِرَ، كي أتحدّثَ مع رُفَقائي.

2

كلُّ هذي النّجوم التي تَتَكوكَبُ تَيّاهةٌ

كَتِفٌ واحدَه،

تَعِبَ الليلُ من عِبْئِها

وأنا مثلَهُ

أتقلّبُ في نارها الخامِدَهْ.

3

“الدّروبُ بِلا منفذٍ

والبيوتُ وأيّامها رمادُ،

عَبثٌ موتُكَ الآن، لا شيءَ غيرُ الضّياعْ”.

لا تَسدُّوا فضائي

بتعاويذكم،

واتركوني لهذا الشُّعاع الذي سأسمّيه أرْضي:

إنّها الشّمسُ بيتيَ بيتٌ لَنا،

وأنا لست إلا انعكاسَ الشّعاعْ.

4

خائِفٌ…

هل نسيتُ الطّريقَ التي أخذتني

مرّةً، والتقيْنا؟

كان ما يُشبه الظّلامْ

كان موجٌ رمينا

في غواياتِه جَسَديْنا

وَهَوى جامحاً، وهَوَيْنا.

خائِفٌ… وكأنّي نسيتُ أساريرَها

ونسيتُ أحاديثَنا

ونسيتُ الكلامْ.

5

سَكَنَتْ وجهها

سَكَنَتْ في نخيلٍ من الصّمتِ بين رؤاها وأجفانها…

بيتُها شارِدٌ

في قطيع الرّياحِ ، وأيّامُها

سَعَفٌ يابِسٌ،

ورمالٌ.

مَنْ يَقولُ لزِيْنَبَ : عينايَ ماءٌ

ووجهيَ بيتٌ، لأحزانِها؟

6

قَطْرَةٌ من دَمٍ

إنّها قَطرةُ الدّمع في جَوْفِ هذا المساءْ

حملتني إلى صدرها،

صدرُها كلُّ هذا الفَضاءْ.

7

ألمحُ الآنَ أحزانَها

كالفراشاتِ، تضربُ قِنديلَها

حُرّةٌ، ذاهِلَهْ

وأراهَا تُمزّق مِنديلها…

ألمحُ الآنَ أمّي:

وَجْهُها حُفْرةٌ، ويدَاها

وردةٌ ذابِلَهْ.

8

بين وقتٍ ووقتٍ، أحِسُّ كأَني غَيْري

وأحِسُّ كأنّي دَمٌ يَتَدَفَّقُ أتبعُ خيطَ التّدفُّقِ،

أسألُ: ما اسْمي؟

ولكي أتخيّلَ ما سيكونُ، أُخَيِّلُ أنّي أضُمُّ بِلادي

الحقولَ، الجبالَ، البيوتْ

وأقولُ: لكي أَتَيَقَّنَ أنّيَ نَفْسيَ،

لا بُدَّ مِن أنْ أموتْ.

9

زَهَرُ الأقْحُوانْ

لا يَزالُ يُغنّي لموتي،

ويُؤْثِرُ موتيّ ليلاً

ليكونَ البياضَ الذي يَتَلألأُ في غُرّةِ المكانْ.

10

شُهُبٌ تَتَساقَطُ من شُرُفاتِ الفضاءْ

وأراها تطوفُ،

إذن، أتقدّمُ، أسألُ عن حالِها

وأُحيّي خيالاتِها

وأقدّم جسمي لها

والغبارَ الذي ضمّه والرِّداءْ.

11

أعْطِني ما تَرسَّب في جَرّة الأزمنهْ

أعْطِني ما تَرَسَّبَ في الرّوح مِن تَعَبِ الأمكِنَهْ

أعطني كلّ هذي الثُّمالَهْ،

جَسَدي طافِحٌ بِسِواهُ.

جسدي كلّ بيتٍ

والشّوارع فيّ شرايينُ، والبحرُ نَبْضٌ:

هذه صورتي

وأنا هذه الرّسالَهْ.

12

جَسدٌ فاضَ عن قبرِه:

عَمَّرَ الأفْقَ داراً، وبالشّمس حَصَّن أسْوارَها.

ويقول أحبّاؤهُ:

مُوغِلٌ في مداراتِه

يَتَهجّى الحقولَ ويكتبُ أزهارَها.

13

هَلْ تآخيتَ مع صوتِه

وتنوّرْتَ أغوارَهُ النّائيهْ؟

أمْسِ، كنّا معاً، وافترقْنا:

نجمةٌ مِن فضاءاتِهِ

أخذتهُ إلى دارها العاليَهْ.

14

“كان طفلاً من البحر، طفلاً صديقاً لأمواجِه

جسمُهُ لُجّةٌ

وخُطاهُ الشّواطئُ مفْتوحةٌ”

… إنها آخر الأغنياتْ

هل سمعتم صداها

يتردّدُ بين الحقولِ، ويَشْردُ في غابة الذّكرياتْ؟

15

لم تمت أمّهُ:

شعرُها ابْيَضّ، لكنّ هذا اللّهيبَ الذي

يَتناسلُ في بَيْتها

يَتناسَلُ في شَعْرها،

أَدْخلتْنيَ من أوّلٍ

عِبْرَ هذا اللّهيبِ وعِبْرَ الرَّمادْ

في بهاء السّوادْ.

16

أيّ عِطْرٍ غريبٍ؟ سألتُ النّوافِذَ،

لا ياسَمينٌ ولا وَرْدَ في بيتِها،

إنّه عِطرُها

طالعٌ من خُطاها على الرابِيَهْ

حين كانت تودّع أصغرَ أبنائِها

وتشير إلى شمسِه الآتيهْ.

17

كان في قبره

لابساً وجهَ طفلٍ،

طفلُه كان يرسم في غُرفةِ الخيالْ

صوراً للرّجالْ.

18

لا تقولُ الأزقّةُ في حَيّنا

كيف جاؤوا ، ومن أين؟ رَمْلُ الزّقاقْ

والزوايا وأسرارُها

والتمرّدُ ، والخبزُ تاريخُهم.

لا تقول الأزقّة غيرَ الفضاء الذي شاءهُ العِناقْ

بين أحلامهم وخُطاهُمْ،

لا تقول الأزقّةُ إلا الكلامَ الذي قاله الرّفاقْ.

19

كان مَيْتاً، يداهُ

مثلُ ظِلّ على وجنتَيْهِ

وعلى وجههِ وداعٌ.

مَن يقول له الآنَ: إنّي أراهْ

ملِكاً من ملوكِ الحياةِ ، وإنّي

أتقفّى خُطاهْ؟

20

سائرونَ إليه،

وَطَناً يَتوهّجُ بين الجراحِ

(الجراحُ مصابيحُنا)

سائرونَ إليهِ

عاشقينَ، سُكارَى إليهِ

نَتَقَرّى، نُقلّب أحشاءنا…

مَن يقولُ الرّياحُ رَمَتْنا

خلفَ أسوارِه؟

أَلرّياحُ خُطانا إليهِ

والرّياحُ مفاتيحُنا.

21

لا تقولوا: قُتِلتُ. ولا تَندبُوني

إنّ موتي قميصٌ آخرٌ أرتديه،

وأنا والفضاءْ

جسَدٌ واحِدٌ

مِن هواءٍ ونارٍ وماءْ.

22

لِيَ في كلّ بيتٍ

واحَةٌ وسريرٌ.

أين جسمي، إذن؟

“أخذتُه الحقولْ”

لم أقُلْ / ألزّهورُ،

العصافيرُ كانت تقولْ.

23

هذه قريتي / قُرانا

مُعجمٌ لِلصُّوَرْ:

صورةُ الزّلْزَلَهْ

صورةٌ لانحناء النجومِ على عتَباتِ البيوتْ،

وهي تزهو بأفلاكها؛

صورةٌ مُثقَلَهْ

بشفاهٍ تموتُ، بأنشودةٍ لا تموتْ

صورةٌ لِلقمر

يَتعشَّقُ شمس النّخيلْ

خالِعاً ثوبَهُ

لِيكفّنَ فيه الشهيدَ الجميلْ.

24

نَهَرُ الجُرْحِ فَيضٌ:

كلّ صفصافِه

أذرعٌ من ضِياءٍ.

والسّماءُ التي تَتَمرْأى

في تجاعيدهِ، غُصونٌ

قَصَبٌ ناحِلٌ يتموّج في ضِفّتَيْهْ

وأنا نايُها

أتجدّد في مائِهِ

وأسافِرُ مِنْهُ إليهْ.

25

أشعرُ الآنَ أنّي وُلِدتُ التقاء

بين هذا التّرابِ وشيءٍ

قيلَ عنهُ: الشّرَرْ

أو عمودُ السّماءِ، الذي يَتراءَى

في حجابٍ من الرّعْدِ، أو يتقمَّصُ خيطَ المَطَرْ.

أشعرُ الآنَ: وَجْهيَ خَدّانِ ضِدّانِ،

خَدّانِ صِنْوانِ،

خَدّ الفضاءِ وخَدّ الحَجَرْ.

26

كان لي أن أشاهد صدرَ السّماءْ

حين فَكّ الجميلُ المحجّبُ أزْرارَها

ورَمى ثوبَها غطاءً

لِسريرِ اللّقاءْ.

________

5 آذار، 1985

0