طائر النقطة – أديب كمال الدين

(1)

في صباحٍ عجيب

هبطتُ في بلادِ الكنغر

وهبطتْ معي نقطتي مضيئةً سوداء

وحرفي طائراً من أنين

هبطتُ أحملهما بكفّي مسروراً

أحملهما كأيّ كائنٍ خرافي

ظنّ أنّه وصلَ الجنّة.

(2)

مثل هذه البداية: الخطأ

ستقود، حتماً، إلى النهاية: الخطأ

هكذا قالَ الفلاسفة

وما كذبوا

(3)

كيف؟

أنا لم أهبطْ في بلادِ الكنغر

ومعي حرفي ونقطتي

بل هبطتُ في بلادِ الجَمَل.

ثم إنّ نقطتي لم تكن معي

لأنني حين نزلتُ إلى الأرض

مختبئاً تحت صرختي الأولى

طارتْ نقطتي عالياً.

وقيل إنّها طارتْ

حين بلغتُ سنَّ البلوغ.

ثم إنّ حرفي

كان طائراً بلونِ الذهب.

(4)

ذلك يجعل الصورة أكثر وضوحاً:

النقطةُ سوداء

(أهي سوداء أم بيضاء يا إلهي؟)

والطائرُ ذهبيّ ذهبيّ إلى حدّ اللعنة

(5)

لا أستطيع أن أستمرَ في كتابةِ القصيدة

فلقد قالَ الفلاسفة:

الشعرُ لا قيمة له

إذ لا معنى يُنتَظَرُ منه

(6)

وقالَ البلاغيون

وأحدهم قابلني في شبابي

وصرخ بوجهي:

احذرْ أن تكتبَ شعراً فيه معنى

قلتُ: فهل أكتبُ شعراً لا معنى فيه؟

قال: ولا هذا أيضاً

وأشاح بوجههِ القاسي عنّي.

(7)

لكنّي كنتُ مُحبّاً

مُحبّاً من العيار الثقيل

كنتُ أحبّ نقطتي

وأريدها أن تبتهجَ وتبهجني

وإلاّ فالقبر خاتمة القصة كما تعرفون

وكنتُ أحبّ حرفي

وأريده أن يحلّقَ عالياً عالياً

حتّى يمسّ السماء.

ففي السماء

كما قال لي طائري

واثقاً ذات مرّة:

لا توجد إلاّ المحبّة

(8)

وإذن، لنراقب هذه اللعبة:

الطائرُ التقط النقطة

كانت النقطة مضيئةً سوداء

ثم رحلَ بعيداً بعيداً

حتّى ضاع في الغابات

(أهي غابات من الأشجارِ أم من السيقانِ يا إلهي؟)

كان المشهد عذباً وعَذاباً

الذهبيّ التقط الأسود

الحياةُ التقطت اللذة.

ثم سقطت النقطةُ من فم الطائر

فسقطَ الذهبيّ خلفها

حتّى ارتطم بالأرض

ومات.

(9)

نهاية محزنة حقاً

أيجب أن يموت َالذهبيّ

ويعيش الأسود؟

لكنْ إذا فَلْسفْنا المشهد

سنقول:

لابدّ أن يعيش الذهبيّ

لأنّ الذهبيّ هو الحياة

هو الطائر

هو الجناح

ولابدّ أن تموت النقطة

لأنها سوداء.

(10)

هذه كلّها مجرّد أكاذيب

لأنّ النقطةَ كانتْ بيضاء

والطائرحملها بقلبهِ، ليس بمنقاره

وطارَ بها أعلى فأعلى

حتّى سقطَ الذهبُ منه

ريشةً فأخرى

على رأسي المدهوش،

رأسي المحدّق في الأعالي

حيث لا توجد إلاّ المحبّة

0