أَبِسَفْكِ مَاءِ المَدْمعِ الْهَطَّالِ – خليل مطران

أَبِسَفْكِ مَاءِ المَدْمعِ الْهَطَّالِ … يُودَى دَمُ الشُّهَدَاء وَالأَبْطَالِ

وَهَلِ الوَفَاءُ يَكُونُ فِي تَشْيِيِعنَا … عُظَمَاءَنَا بِمَظَاهِرِ الإِجْلاَلِ

مَا بَال هَذَا الشَّرقِ يَخْلُدُ وَاهِماً … أَنَّ الحَيَاةَ بَهَارِجٌ وَمَجَالِي

أَتُرَاهُ يُحْسِنُ شُكْرَ مَا قَدْ أَورَثُوا … مِنْ مَأْثُرَاتٍ لِلْبِلاَدِ غَوالِي

وَيَسِيرُ سَيرَ الغَرْبِ فِي تَمْجِيدِهِمْ … فَيُكَافِيءَ الأَعْمَالِ بِالأَعْمَالِ

يَا بَيْنُ أَحْمَدَ قَدْ فَجَعْتَ الشَّرقَ فِي … رَجُلٍ يُفَدَّى مِثْلُهُ بِرِجَالِ

أَبْلَغْتَهُ أَجَلاً وَلَكِنْ كَمْ بِهِ … لِمَكَارِمِ الأَخْلاَقِ مِنْ آجَالِ

فَرْدٌ بِوَشْكِ نَوَاهُ فَرَّقَتِ النَّوَى … شَمْلاً جَمِيعاً مِنْ جِيَادِ خِلاَلِ

جَزِعَتْ عَلَيْهِ أُمَّةٌ وَكَأَنَّهَا … أُمُّ الْوَحِيدِ لِشِدِّةِ الإِعْوَالِ

مَا كَادَ يُبْقِي الْحَشْدُ مِنْ كُبرَائِهَا … خَلْفَ الجَنَازَةِ مَوْقِعاً لِظِلاَلِ

زَنُوا بِرَايَتِهَا السَّرِيرَ وَعوَّذوا … ذَاكَ الجَلاَلَ بِأَنْجُمٍ وَهِلاَل

لِلهِ أَحْمَدُ مِنْ فَقيدِ مَكَانَةٍ … قَدْ كانَ فِيهَا فَاقِدَ الأَمْثَالِ

لَمْ يُوفِ سِرْبَالَ المحَامَاةِ امْرُؤءٌ … إِيفَاءَهُ مَا حَقَّ لِلسِّرْبَالِ

ماضِي العَزِيمَةِ ذُو ذَكَاءٍ باهِرٍ … مُتَوَافِقُ النِّيَّاتِ وَالأَقْوَالِ

مَنْ قَالَ مَوسُوعَاتُ شَرْعٍ جُمِّعَتْ … فِي ذَاتِ صَدْرٍ لَمْ يَكُنْ بِمُغَالِي

يَزْدَادُ مَا طَالَ المَدى تَحْصِيلُهُ … وَيكُدُّ فِي الأَسْحَارِ وَالآصَالِ

وَيَظَلُّ مُلْتَمِساً إِنَارَةَ ذِهْنِهِ … بِهُدَى شُمُوسٍ أَوْ بِضَوْءٍ ذُبالِ

يَأُبَى التَّعَمُّلَ كَاتِباً أوْ خَاطِباً … وَيُحِبُّ فِي الإنْشَاءِ غَيْرَ الحَالِي

يَتَجَنَّبُ الزينَاتِ فِي أَلْفَاظِهِ … حَذَرَ الغُمُوضِ وَخَشْيَةَ الإِمْلاَلِ

أَوْ خَوْفَ أَنْ تَغْشَى الأَدِلَّةَ رِيبَةٌ … مِنْ زُخْرُفٍ تَبْدُو بِهِ وَصِقَالِ

عَرَكَتْهُ عَارِكَةُ الصُّرُوفِ فَعَزْمُهُ … مُتَمَكِّنٌ كَشَوَامِخِ الأَجْبَالِ

رَاضَتْهُ رَائِضَةُ الخُطُوبِ فَلَم يَكُنْ … قَرْمٌ يُسَاجِلهُ غَدَاةَ سِجَالِ

مَا كَانَ أَصْيَدَهُ لأَنْفَرِ مَأْرَبِ … بِالْبَطْشِ وَهْوَ الرَّأيُ أَوْ بِخِتَالِ

مَا كَانَ أَقْوَى ضَعْفَهُ بِسُكُوتِهِ … حَتَّى يَصُولَ بِهِ عَلَى الصُّوَّالِ

مَا كَانَ أَلْعَبَهُ بِرَاسِخَةِ النُّهَى … فَكَأَنَّهُنَّ عَلَى شَفَا مُنْهَالِ

رُوحٌ كَتِلْكَ الروْحِ كَيْفَ تَصوَّرَتْ … زَمَناً وَإِنْ هُوَ قَلَّ فِي صَلْصَالِ

ضَاقَتْ بِهَا سَعَةُ الوُجُودِ وَضَمَّهَا … فِي شِبْهِ طَيْفٍ جَانِبا تِمْثَالِ

تِمْثَالِ مَجْدٍ لا تَرَى فِيهِ سِوَى … رَجُلٍ بِلاَ تِيهٍ وَلاَ إِدْلاَلِ

مُتَقَاصِرٍ مَلأَ العُيُونَ تَجِلَّةً … وَرَمَى بِظِلٍ فِي الْقُلُوبِ طُوَالِ

يَخْتَالُ فِي الْجِسْمِ الضَّئِيلِ وَقَلَّمَا … كَانَتْ أُولُو الأَلْبَابِ غَيْرَ ضِئَالِ

يَعْلُو مُحَيَّاهُ ابْتِسَامٌ دَائِمٌ … بَرِئَتْ مَعَانِيهِ مِنَ الإِدْغَالِ

صَحِبَ الحَيَاةَ وَمَا بِهَا لأَخِي النُّهَى … ضَحِكٌ يَتِمُّ فَظَلَّ فِي اسْتِهْلاَلِ

عَيْنَاهُ لاَ يَحْكِي وَمِيضَ سَنَاهُمَا … إِلاَّ التَّأَلُّقُ فِي اشْتِبَاكِ نِصَالِ

مَا نُورُ مِصْبَاحَيْنِ يَجْرِي مِنْهُمَا … بِالْكَهْرَبَاءَةِ مَجْرَيَا سَيَّالِ

وَتَرَاهُ أَكْثَرَ مَا تَرَاهُ مُطْرِقاً … إِطْرَاقَ لا وَجِلٍ وَلاَ مُخْتَالِ

فَيَظَلُّ كَالمُغْضِي وَلَيْسَ بِحَاجِبٍ … عيْنَيْهِ سِتْرٌ مُحْكَمُ الإِسْبَالِ

لِلْغُنَّةِ الجَارِي عَلَيْهَا صَوْتُهُ … تَأْثِيرُ سِحْرٍ فِي النُّفُوسِ حَلاَلِ

يَرْقَى السَّمَاعَ بِهَا وَإِنْ يَكُ نَبْرُهُ … لاَ يَرْتَقِي مَعْ فِكْرِهِ الْوَقَّالِ

مِنْ قُوَّةٍ بِحِجَاهُ تَكْسِبُ قُوَّةً … فِي النَّفْسِ تُوغِلُ أَيَّمَا إِيغَالِ

وَبِهَا يَبُزُّ مُنَافِسِيهِ ظَافِراً … وَبِهَا يُوَامِقُ رَاشِداً وَيُقَالِي

يَا خَيْبَةَ الآمَالِ فِي الدُّنْيَا وَيَا … غَبْنَ المَسَاعِي فِي دَرَاكِ مَعَالِي

دَاءٌ عَرَا فَانْدَكَّ طَوْدٌ شَامِخٌ … بِأَخَفَّ وَقْعاً مِنْ دَبِيبِ نِمَالِ

مَجْدٌ تَوَلاَّهُ الْعَفَاءُ وَقُوَّةٌ … قَهَّارَةٌ سَكَنَتْ مَهِيلَ رِمَالِ

أَفْضَى الذَّكَاءُ إِلى صَفِيحٍ هَامِد … وَأَوَى المَضَاءُ إِلى ضَرِيحٍ خَالِي

لَكِنَّمَا الْكُبَرَاءُ فِي أَقْوَامِهِمْ … سِيَرٌ وَكُلُّ حِديثِهِمُ ذُو بَالِ

فَأذْكُرْ لَهُ حُسْن الْبَلاَءِ وَقَدْ دَعَا … دَاعِي الوَلاَءِ إِلى جَلِيلِ فِعالِ

هَلْ جَاءَكُمْ نَبَأُ بِأَمْرٍ مُعْضِلٍ … رَاعَ الكِنَانَةَ فِي سِنِينَ خَوَالي

لَوْلاَ تَيَقُّظُ أَحْمَدَ وَجهَابِذَ … مِنْ ضَرْبِه أَعْيَا عَلَى الحُلاَّلِ

يَا تُرْعَةَ الْبَحْرَيْنِ فَاجَأتِ الْحِمَى … بِعَظِيمَةٍ شَغَلَتْ عَنْ الأَشْغَالِ

سِيَّانَ خَطْبُكِ مُعْرَباً أَوْ مُعْجَماً … بِاسْمِ القَنَاةِ دُعِيْتِ أَمْ بِقَنَالِ

كُونِي عَلَى الْعَهْدِ الْعَتِيدِ وَمَا بِنَا … مِنْ فَيْضِ مَائِكِ أَنْ يَفِيضَ بِمَالِ

قَدْ فَرَّطَتْ فِي حَظِّنَا آبَاؤُنَا … فَالخَلْقُ عَلَّ وَنَحْنُ غَيْرُ نِهَالِ

باعُوكِ بَيْعَ الْغَبْنِ فِي سَفَهٍ وَلَوْ … عَقَلُوا لَمَا بَاعُوا هُدًى بِضَلالِ

وَأَبَى عَلَيْنَا بِرُّنَا بِصِغَارِنَا … سَبْقَ الزَّمَانِ وَرَهْنَ الاسْتِقْبَالِ

لَقَدِ اعْتَبَرْنَا بِالْقَدِيمِ وَإِنَّنَا … نَخْشَى حِسَاب اللهِ وَالأَطْفَالِ

خَلَدَتْ عَلَى الأْيَّامِ ذِكْرَى رُفْقَةٍ … كَنِظَامِ شُهْبٍ أَوْ كَعِقْدِ لآلِي

رَاضُوا مُعَادَلَةَ القَنَاةِ وَسَدَّدُوا … أَرْقَامَهُمْ كَشَبَا القَنَا المَيَّالِ

لَمْ يُؤْثِرُوا خَيْراً عَلَى مَا أَمَّلُوا … مِنْ رَدِّ كَيْدِ المُدْغِل المُحْتَالِ

أَيْنَ الَّذِي يَقْضِي وُلاَةُ شُؤُونِهِمْ … مِمَّا بِهِ نَقْضِي تَفَرُّدُ وَالِي

فَتَحَرَّكَ الشَّعْبُ الْقَدِيمُ سُكُونُهُ … حَتَّى لَقَدْ نَعَتُوهُ بِالمِكْسَالِ

وَبَدَتْ بَوَادِرُ عِلْمِهِ بِوُجُودِهِ … وَشُعُورِهِ بِجُمُودِهِ القَتَّالِ

ظَهَرَتْ حَيَاةٌ فِي البِلاَدِ جَدِيدَةٌ … مَلأَتْ جَوَانِبَهَا بِلاَ إِمْهَالِ

قَدْ كَانَ أَوَّلَ بَاعِثِيهَا مُصْطَفَى … وَتَلاَ فَرِيدٌ وَهْوُ نِعْمَ التَّالِي

وَاسْتَنَّ أَحْمَدْ ذَلِكَ السَّنَنَ الَّذِي … عَانَى مَصَاعِبَهُ بِغَيْرِ كَلاَلِ

لِيُتِمَّ فِي سُبُلِ العُلَى مَا أَبْدَأ … وَيَمُوتَ وَهْوَ بَقيَّةَ الأَبدَالِ

تِلْكَ الحَيَاةُ عَلَى حَدَاثَةِ عَهْدِها … قَوِيَتْ بِهَا نَزَعَاتُ الاِستِقْلاَلِ

وَعَلَتْ شِكَايَةُ رَاسِفٍ فِي قَيْدِهِ … مِنْ أَلْفِ وَعْدٍ أُعْقِبَتْ بِمِطَالِ

وَاسْتُسْمِعَتْ بَعْدَ الشْوَادِي فِي رُبَى … مِصْرٍ وَفِي الْوَادِي لُيُوثُ دِحَالِِ

فَإِذَا الدِّيَارُ وَمَا الدِّيَارُ كَعَهْدِهَا … وَإِذَا كَحَدِّ المُنْصُلِ المُتَلاَلِي

وَإِذَا حِجَابُ اليَأْسِ شُقَّ وَدُوَنَهُ … أَمَلٌ كَحَدِّ المُنْصَلِ المُتَلاَلِي

وَإِذَا الضِّعَافُ الْوَادِعْونَ تَقَحَّمُوا … مُسْتَصْغِرِينَ عَظَائِمَ الأَهْوَالِ

لَكِنْ تَصَدَّى لِلزَّمَانِ يَعُوقُهُ … مَنْ خَالَ نَهْضَةَ مِصْرَ ضَرْبَ مُحَالِ

قَاسَ العَتِيدَ عَلَى الْعَهِيدِ لِوَهْمِهِ … أَنَّ الجُمُودَ بَعِيدُ الاسْتِئْصالِ

خَطَلٌ قَدِيمٌ لَمْ يَدَعْ فِي أُمَّةٍ … أَنْ يَرْمِيَ الآسَادَ بِالأَشْبَالِ

مَنْ ذَا يَرُدُّ عَنِ التَّقَلُّبِ دَهرَهُ … إِنْ شَاءَ وَهْوَ مُحَوِّلُ الأَحْوَالِ

لاَ يَوْمَ كَالْيَوْمِ الَّذِي فُجِعَتْ بِهِ … مِصْرٌ وَقَدْ فُجِئَتْ بِصْرعَةِ غَالِي

لَكَأَنَّ زَنْداً وَارِياً فِي صُبْحِهِ … وَصَلَ الجَنُوبَ دَوِيُّهُ بِشَمَالِ

أَلْقَتْ عَلَى الرَّجْلِ الْعَظِيم بِنَارِهِ … يَدُ مُقْدِمٍ لِحَيَاتِهِ بِذَّالِ

مِنْ عُصْبةٍ لِلتَّفْدِيَاتِ تَطَوَّعَتْ … وَفَدَتْ عَقِيدَتَهَا بِالاِسْتِبْسَالِ

ظَنَّتْ حُمَاةَ الْحَيِّ قَد غَرَّتْهُمُ … أَقْسَامُ حَنَّاثِينَ فِيهِ حِلاَلِ

فَرَمَتْ إِلى إيقَاظِهِمْ لَكِنْ رَمَتْ … بِأَشَدَّ قَارِعَةً مِنَ الزَّلْزَالِ

نَظَرَتْ إِلى رَجُلِ الْحِمَى وَقَضَت عَلَى … ذِي الْعزَّةِ الْقَعْسَاءِ بِالإِعْجَالِ

فَهَوَى بِهِ فِي كِبْرِياءِ فَخَارِهِ … وَبُزُوغِ دَوْلَتِهِ الشِّهَابُ الصَّالِي

لَمْ يَجْهَلِ الْعَادِي عَلَيْهِ أَنَّهُ … يُودَى بِهِ وَأنْقَضَّ غَيْرَ مُبَالِي

لَوْ ظَنَّهُ بِالرَّأْيِ بَالِغَ أَمْرِهِ … لَمْ يَبْغِهِ بِمُقَطَّعِ الأَوْصَالِ

مُسْتَبْقِياً لِبِلاَدِهِ وَلِقَوْمِهِ … عَزَمَاتِ ذَاكَ المِقْوَل الْفَعَّالِ

أَرَأَيْتَ أَحْمَدَ كَيْفَ هَبَّ مُنَاضِلاً … فِي مَوْقِفٍ نَاب بِكُلَّ نِضَالِ

وَأَتَى عَجَائِبَ فِي بَدِيع دِفَاعِهِ … لَمْ يَأْتِهنَّ أَوَاخِرٌ وَأَوَالِي

فَلَوِ القَتِيلُ مِنَ الْخَطِيبِ بِمَسْمَعٍ … لَعَفَا وَرَأْيُ المَجْدِ فِيهِ عَالِي

وَأَبَى قِيَامَ الخُلْفِ فِي آثَارِهِ … سُوقاً لِبَيْعِ قَدِيمَةِ الأَسْمَالِ

قَدْ يَضْربُ الحَدَثُ المُفَاجِيءُ ضَرْبَهُ … بِيَدِ المُدَمِّر أَوْ يَدِ المُغْتَالِ

فَيَبِيتُ قَوْمٌ وَالْهُمُومُ بِهَامِهِمْ … نَاءَتْ كَبَاهِظَةٍ مِنَ الأَثْقَالِ

لاَ صَوْتَ أَنْكَرُ إِذْ تُرَاجِعُ أُمَّةٌ … تَارِيخَهَا مِنْ صَيْحَةِ الدَّلاَّلِ

لَكِنَّهُ خُلْفٌ عَفَتْ آثَارُهُ … بِكِيَاسَةِ الأَبْرَارِ فِي الأَنْجَالِ

وَاذْكُرْ لَهُ ذَوداً مَجِيداً صَادِقاً … بِسِنَانِ ذَاكَ المِرْقَمِ العَسَّالِ

إِذْ جَاءَ رُزْفَلْتُ الْكِنَانَةَ زَائِراً … وَرَمَى لِشُكْرٍ صَدْرَهَا بِنِبَالِ

فَتَعاظَمَتْهُ جُرْأَةُ الْعَادِي بِلاَ … عُذْرٍ وَقُدْرَتُهُ عَلَى الإِبْطَالِ

وَأَهَمَّهُ شَأْنَ امْرِيءٍ بِمَقَامِهِ … فِي الْغَرْبِ يُؤْثَرُ عَنْهُ كُلُّ مَقَالِ

أَمُعَلِّمُ النَّاسِ الشَّجَاعَةَ يَغْتَدِي … فِي مِصْرَ وَهْوَ مُعَلِّمُ الأَوْجَالِ

وَرَئِيسُ أَوْسَعِ أُمَّةٍ حُرِّيَّةً … يُغْرِي أُبَاةَ الضَّيْمِ بِالإِذْلاَلِ

أَلْفَيْتُ أَحْمَدَ لاَ يَقَرُّ قَرَارُهُ … فِي يَوْمِهِ مِنْ شِدَّةِ البَلْبَالِ

يُجْرِي يَرَاعَتَهُ بِبَثٍ رَائِعٍ … أَوْ يَسْتَتِمُّ بَيَانَهُ بِأَمَالِي

يَسْتَنْفِرُ الأَقْلاَمَ بَيْنَ خَفِيفَةٍ … لِلذَّبِّ عَنْ شَرَفِ الحِمَى وَثِقَالِ

عَجَبٌ تَبَجُّحُ ذَلِكَ الضَّيْفِ الَّذِي … أَضْحَى تَبَجُّحُهُ مِنَ الأَمْثَالِ

أَيْ صَائِدَ اللَّيْثِ الْهَصُورِ بِغَابَةٍ … أَتُرَى وَجَدْتَ هُنَا كِنَاسَ غَزَالِ

مَا مِصْرُ مَا أَحْوَالُهَا مَا قَوْمُهَا … يَا مَنْ أَقَامَ بِهَا ثَلاثَ لَيَالِ

عَلَّمْتَهَا عِلْمَ الْفَنَاءِ مُدَاوِياً … مَا صِحَّة الأَقْوَامِ بَعْدَ زَوَالِ

لاَ يَقْنِصُ العَبْدُ الأُسُودَ تَلَهِّياً … دَعْهُ يُوَاسِ جِرَاحَهُ وَيُوَالِي

أَوْ فَاقْرَعِ السَّوْطَ الَّذِي فِي صَوْتِهِ … إِيقَاظُ غَافِلِهِ وَبَعْثُ الْبَالي

غَوْثُ اللَّهِيفِ أَبَرُّ فِي مِيقَاتِهِ … مِنْ وَعْدِهِ بِغِنًى بَعِيدِ مَنَالِ

وَأَشَدُّ خَطْبٍ أَنْ يُمَنَّى عَاثِرٌ … بِإِقَالَةٍ وَيَظَلُّ غَيْرَ مُقَالِ

وَاذْكُرْ لَهُ تَبْرِيزَهُ فِي فَنِّهِ … بِذَكَائِهِ وَبِكَدِّهِ المُتَوَالِي

وَبِعزْةٍ فِي نَفْسِهِ صَانَتْهُ عَنْ … رُتَبٍِ يُغَرُّ بِهَا وَعَنْ أَمْوَالِ

لَمْ يَثْنِهِ دُونَ القِيَامِ بِوَاجِبٍ … بَأْسُ المُلُوكِ وَلاَ نَدَى الأَقْيَالِ

اَلدَّأْبُ وَالإِتْقَانُ حَيْثُ تَلاَقَيَا … يَسْتَنْبِتَانِ المَجْدَ مِنْ إِمْحَالِ

خُلُقَانِ إِنْ تَكُنِ الحَمِيَّةُ ثَالِثاً … لَهُمَا فَقُلْ فِي رِفْعَةٍ وَجلاَلِ

وَنقَابَةٌ نِيطَتْ بِهِ أَعْبَاؤُهَا … نَاهِيكَ بِالتَّبِعَاتِ مِنْ أَحْمَالِ

أَبْدَى بِهَا مَا شَاءَ فَضْلُ نُبُوغِهِ … وَعُلُوُّ هِمَّتِهِ بِغَيْرِ تَعَالِى

وَلِمُسْتَعِيري جَاهِهِ مِنْ نَشْئِهِمْ … عَوْناً بِقَوْلٍ مُسْعِدٍ أَوْ نَالِ

مِنْ عِلْمِهِ الفَيَّاضِ أَوْ مِنْ رِوْقِهِ … لَمْ يَدَّخِرْ شَيْئاً عَنِ السُّؤَّالِ

بَحْرٌ مِنَ الْعِرْفَان صَفْوٌ مَاؤُهُ … عَذْبُ المَوَارِدِ سَائِغُ السَّلْسَالِ

يُرْوِي النفُوسَ الظَّامِئَاتِ فَتَشْتَفِي … وَسِوَاهُ يُظْمِئُهَا بِلَمْعِ الآلِ

أَعْظِمْ بِهِ فِي كُلِّ عَاديَةٍ عَدَتْ … مِنْ أَرْيَحِيّ لِلْبِلاَدِ ثِمَالِ

يَسْخُو لَهَا بِكَثِيرِهِ وَقَلِيلِهِ … جَذِلاً وَلاَ يَشْكُو مِنَ الإِقْلاَلِ

وَيَجُوزُ مَا فَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ … مِنْ نَجْدَةٍ وَنَدّى إِلى الأَنْفَالِ

وَإِذَا وَصَفْتَ فُنُونَهُ فِي فَضْلِهِ … فَاذْكُرْ أَيَادِيَهُ عَلى العمَّالِ

وَقضَاءَه حَاجَاتِهِمْ وَدِفاعَهُ … عَن حَقِّهِمْ فِي وَجْهِ رَأْسِ المَالِ

وَجِهَادَهُ مَنْ يَستَغِلُّ جُهُودَهمْ … حِساً وَمَعْنى أَجْحَفَ استِغْلالِ

فَإِذَا وَفى بِفُضُولِ مَا كسَبُوا لهُ … عَدَّ الذِي أَدى منَ الإِفضَالِ

مُتجَاهِلاً عُقْبَى مَطَامِعِهِ وَلا … عقْبَى كَيَوْمِ قِيَامَةِ الْجُهَّالِ

مِنْ أَي نَابٍ لاَ يُطَاقُ وَمِخْلَبٍ … نَجَّى الْهُمَامُ فَرَائِسَ الإهْمَالِ

وَكَفَى إِلى أَمَد سَرَاحِينَ الطَّوَى … وَالضَّارِيَ الشَّبْعَانَ شَرَّ قِتَالِ

مُتَوَخِّياً إِنْصَافَهُمْ وَمُهَيِّئاً … لَهُمُ وَلِلأَبْنَاءِ خَيْرَ مَآلِ

يُعْنَى بِوُلْدِهِمْ الضِّعَافِ لِيَرْتَقُوا … عِلْماً وَآدَاباً وَحُسْنَ خِصَالِ

حَتى إِذَا شَبُّوا تَقَاضَوْا حَقَّهُمْ … بِهُدىً وَمَا كَانُوا مِنَ الضُّلاَّلِ

وَاذْكُرْ لَهُ فَضْلَ التَّعَاوُنِ يَقْتَفِي … فِيهِ طَريقَ شَقِيقِهِ المِفْضَالِ

رَأْيٌ بِهِ إِفْلاَحُ مِصْرَ وَعِزُّهَا … نَسَجَاهُ مِنْ بِرٍ عَلَى مِنْوَالِ

عُمَرٌ إِلَيْهِ دَعَا وَأَحْمَدُ لَمْ يَدَعْ … سَعْياً يَسِيرُ بِهِ إِلى الإِكْمَالِ

فَالْيَوْمَ إذْ بَلَغَ التعَاوُنُ مَا نَرَى … فِي مِصْرَ مِنْ شَأْنٍ وَمِنْ إِقْبَالِ

فَلْيَذْكُ فِي القَوْمِ الثَّنَاءُ عَلَيْهِمَا … طِيباً كَمَا يَذْكُو نَسِيمُ غَوَالِي

وَاذْكُرْ ضُرُوبَ كِفَاحِهِ لِبِلاَدِهِ … مَا اسْطَاعَ فِي حَلٍّ وَفِي تَرْحَالِ

مَا كَادَ حَفْلٌ بَاحِثٌ فِي شَأْنِهَا … يَنْأَى عَلَى مِقْدَامِهَا الْجوَّالِ

زَارَ الحَوَاضِرَ فِي أُرُبَّةَ أُنْسُهَا … يُسْلِي وَذَاكَ الصَّبُّ لَيْسَ بِسَالِي

لَمْ تَخْلُ مِنْهُ مَقَامَةٌ شَرْقِيةٌ … فِي الغَرْبِ تَعْقِدُهَا هُنَاكَ جَوَالِي

وَأَظَللَّهُ بَلَدٌ جَدِيدٌ كُلَّما … ضَنَّ القَدِيمُ عَلَيْهِ بِالإظْلاَلِ

تَحْيَا الحُقُوقُ بِقَدْرِ يَقْظَةِ أَهْلِهَا … لِحِفَاظِهَا وَتَمْوتُ بِالإِغْفَالِ

مَا الْحَقُّ وَهْوَ اللُّسْنُ غَيْرُ نَوَاطِقٍ … مَا الْعِلْمُ وَهْوَ الكُتْبُ فٍي أًقْفَالِ

لاَ نَنْسَ عَهْدَ جَنِيفَ وَالإِلْفَ الَّذِي … عَادتْ طَوَالِعُهُ بِخَيْرِ تَوَالِي

إِذْ أَوْهَنَ الأَحْزَابَ خُلْفٌ أَفْرَزَتْ … فِيهَا ضَغَائِنَهُ سُمُومَ صِلاَلِ

مِيثَاقُ أَحْمَدَ بِشَّرَ المَرْضَى عَلَى … يَأْسٍ مِنَ الإِبْلاَلِ بِالإِبْلاَلِ

وَأَبَانَ لِلإبْدَالِ مِنْ حَال إِلَى … حَالٍ أَصَحَّ طَرَائِقِ الإِبْدالِ

سَعْيٌ سَعَاهُ بِوَحْيِ أَنْقَى فِكْرةٍ … لِشِفَاءِ دَاءٍ فِي النُّفُوسِ عُضَالِ

فَبَدَتْ بَوَادِرُ نَفْعِهِ لَكِنْهَا … مَكَثَتْ لَيَالِيَ كُنَّ غَيْرَ طِوَالِ

وَأَجَدَّ هَذَا الحَوْلُ إِلْفاً بَيْنَهُمْ … هُوَ عَوْدُ ذَاكَ البَدْءِ مِنْ أَحْوَالِ

عَوْدٌ تَخَلَّصَ شَعْبُ مِصْرَ بِفَضْلِه … مِنْ مَوْقِفٍ بَيْنَ الشُّعُوبِ مُذَالِ

شَرَفاً لأَحْمَدَ فِي طَلِيعَةِ مَنْ سَعَى … لِنَجَاتِهِ وَالخَطْبُ فِي اسِتْفْحَالِ

يَا مِصْرُ كَمْ فِي سِيرَةِ الجِيلِ الَّذِي … يَمْضِي هُدىً لِلوَاحِقِ الأَجْيالِ

سِيرِي وَبَشِّي لِلْخُطُوبِ فَإِنَّمَا … تِلْكَ الخُطُوبُ نَجَائبُ الآمَالِ

مَاذَا أَعَدِّدُ مِنْ مَنَاقِبِ أَحْمدَ … فِي الخَطْبِ مَا فِيهِ مِنَ الإِذْهَالِ

تِلْكَ المَنَاقبُ دُونَ كُلِّ حَقِيقَةٍ … مِنْهَا إِذَا وُصِفَتْ أَعَزُّ خَيَالِ

لاَ تَسْتَطِيعُ يَرَاعَةٌ تَفْصِيلَهَا … وَلَعَلَّهَا تُغْيِي عَلَى الإِجْمَالِ

وَأَجَلُّهَا تِلْكَ المُفَادَاةُ الَّتِي … هِيَ آيَة الإِحْسَانِ وَالإِجْمَالِ

مَا مَوْتُ أَحْمَدَ حَتْفَ أَنْفٍ إِنَّهُ … لَلْقَتْلُ فِي عُقْبَى أَشَدِّ نِزَالِ

لَبَّى نِدَاء ضَمِيرِهِ لَمَّا دَعَا … دَاعِي الحِفَاظِ فَجَالَ أَيَّ مَجَالِ

تَعْتَاقهُ الحُمَّى وَلاَ يَلْوِي بِهَا … هَلْ عَاقَتِ الضِّرْغَامَ دُونَ صِيَالِ

يَا خَيْرَ مَنْ حَامَى فَكَانَ لِكُلِّ مَنْ … حَامَى بِقُدْوَتِهِ أَجَلَّ مِثَالِ

جُزْتَ الفِدَى لَمَّا نَهَاكَ الطِّبُّ أَوْ … تَرْدَى فَلَمْ تَمْنَحْهُ أَدْنَى بَالِ

وَأَجَبْتَ إِنِّي لَمْ أَضِنَّ عَلَى الحِمَى … بِدَمِ الشَّبَاِب فَمَا الدِّمَاءُ بِغَالِي

لاَ يَكْرُثُ الرِّئْبَالَ أَنْ يُمْنَى وَقَدْ … مُنِعَ العَرِينُ بِصَرْعَةِ الرِّئْبَالِ

كَلاَّ وَلاَ النَّجْمَ الَّذِي فِيهِ الهُدَى … لِلنَّاسِ أَنْ يَرْفَضَّ بالإِشْعَالِ

مَا رَاعَ قَلْبَكَ فِي الغَرَانِيقِ العُلَى … إِلاَّ كِرَامٌ عُرِّضُوا لِنَكَالِ

وَقَفُوا بِمَقْمَرَةِ الحُتُوفِ لِشُبْهَةٍ … وَالعُمْرُ رَهْنُ إِجَابَةٍ وَسُؤَالِ

فَعَمَدْتَ تَنْفِي بِاليَقِينِ مِنَ النُّهَى … مَا دَسَّ مِنْ رَيْب لِسَانُ القَالِي

وَرَأَى العُدُولُ الحَقَّ أَبْلَجَ مَا بِهِ … فَنَدٌ وَتَمَّتْ حِيرَةُ العُذَّالِ

نَادَيْتَ يَا لَلْعَدلِ لِلبَلَدِ الَّذِي … أَمْسى أَعَزُّ بَنِيهِ فِي الأَغْلاَلِ

فَأَجَابَ دَعْوَتِكَ القَضَاءُ مُنَزَّهاً … في الحُكْمِ عَنْ خَطَلٍ وَعنْ إِخْلاَلِ

لَم يَخْشَ إِلاَّ رَبَّهُ فِي حُكْمِهِ … وَنَبَا بِقِيل لِلْوُشَاةِ وَقَالِ

رَدَّ الأُولَى سُجِنُوا بِلاَ ذَنْبٍ إِلَى … مَنْ وَدَّعُوا مِنْ أُسْرَةٍ وَعِيالِ

قَدْ نِيلَ مِنْ أَقْدَامِهِمْ بِعِقَالِهِمْ … أَمَّا النُّفُوسُ فَلَمْ تُنَلْ بِعقَالِ

بِجَمِيلِ مَا أَبْلَيْتَ فِي إِنْقَاذِهِمْ … قَرَّتْ نَوَاظِرُ قَوْمِهِمْ وَالآلِ

أَحْيَيْتَهُمْ وَقَضَيْتَ ذَاكَ هُوَ الفِدى … وَهْوَ النَّوَالُ وَرَاءَ كُلِّ نَوَالِ

فَضْلٌ خَتَمْتَ بِهِ حَيَاتَكَ مُثْبِتاً … فِي إِثْرِهَا شَفَقاً بَدِيعَ جَمَالِ

إِنْ لَمْ تُوَفِّ النَّاسُ شُكْرَكَ فَلْيَكُنْ … لَكَ خَيْرُهُ مِنْ رَبِّكَ المُتَعَالِي

0