كلمات

klmat.com

أحلام القدماء – سيف الرحبي


أحلام القدماء

تلك التي تفعمني برائحة

الموتى في السرير

أراهم يختالون في حدئقهم المليئة

بالسناجب

في غسق المقابر

مشيرين إليّ بضراعةٍ وعنف

أن التحق بالقافلة

رغم عواء كلبها الجريح.

وربما غير ذلك

لا أكاد أتبيّن الاشارات

في ظلام المقابر الدامس.

عيونهم مَغْمضَة قليلا

يضطجعون على الخاصرة

يفتحون جزءاً منها

كأنما ثقل التراب على الجسد

أحزنهم قليلا

وغياب الأحبة

يتذكرون ميلادهم

في صرخة مباغتة

ولا يفكرون بالقيامة.

يتذكرون الدنيا

بأوجه شاحبة

وقلوب مكلومة

كأنما مرّت عليها عربات جلادين.

الطرقات وقد شاخت

تحت أقدامهم

مفعمة بروائح الأجساد التي انهكوها كثيرا

مَسُوقين برغبة الزوال

الزوال الذي لم تساومهم عليه الحياة

التي ساومت في كل شيء

ربما رغبة في التجديد

رغبة في الخلاص

عرين الأسرار الأزليّة

يفقس بيوضه في السلالات

التي تجرجر أثقالها من فيضان

الى آخر.

مسوقين بالرغبة نفسها

التي لا تشيخ مع الأحقاب

الموتى الذين لا يتذكرون موتهم

ويتذكرون الغيمة التي تنزل مع المساء

على الأسطح والجبال

وعلى مراوح النخيل.

تلك قصارى أيامهم

ينزل المطر على الصحراء

يصغون لثغاء الماعز

والطيور المهاجرة التي دمّرها التعبُ

فانسكبت في حياض الصحراء

يصغون الى حنينهم

ينفجر مع البرق، صواعقَ

تقصف الطرقات

لبكاء أطفالهم الذين لم يولدوا

للبهجة تعبر رؤوسهم نحو سَمَر بعيد.

للطفولة

يتسلقون ظلالها في الردهة

المظلمة

لعفاريت البيت القديم

ومطاريح المياه.

وروت القابلات حكايات عن طفولتهم

ونائحات الخرافة بالأجرة

حكايات بددها النسيان

وبقيت مِزَقاً كالأجنة الميّتة في الأرحام.

حكايات ليست عن قوم عاد وثمود ولا قوم لوط ولا أساطير سدوم وعمورية العامرة بالرذائل والفسوق وبطر الثروة حين تنطلق من عقالها بعد جذب وقحط ورياح سموم هوجاء. ليست حكايات الأقوام الغابرة ولا تلك المقبلة من القرن الأربعين وعالم النجوم.

حكايات الطفولة البسيطة التي ذهبت بددا

وعاث جنباتها التلف والخراب

أرض بوار

وفيافي ينعق فيها الغراب.

روت آخر نائحات القرية هذه الحكاية

المقصوصة الجناحين كطائر يتيم:

بعد انقضاء الصيف عادت الضباع مع طيور الصِبا

حاملة في مناقيرها السهوب

على حافة المقابر والبيوت تتحلّق بعد غيبة طويلة ظن الأهالي أن لا عودة بعدها وأنها ذهبت الى الأبد. لكنها هاهي بجرائها وأفراخها تقفز مع ضياء الفجر الأول من قبر الى بيت وفوق خيام الزطّ

في الوادي السحيق المطوّق بخيال الأبراج

والسّحَرة من كل الجهات، مرحة برحيل

القيظ ترضع مع الصبية والموتى لبن الصباح.

في مكان قصي يتبدى مثل كهف مقذوف

في العاصفة، بين الجبل والبحر، عشت

فترة من الطفولة.

هناك تعلمت السباحة في البحر

وفي عيني أسماك القرش

وحدّقت مليا في سجناء ((الجلالي)) الذي كان البرتغاليون يسمونه قلعة ((سانت غوا)) وهم يحملون الأثقال من الأسفل بأصفادهم الى رأس ذلك البناء الجبلي، الذي كان في الماضي دعامة الدفاع عن المدينة.

هناك شاهدت العناق الأول

بين الجبل والبحر

شاهدت ارتطام الصباحات ببعضها

كالنيازك

ورأيت ميلاد الأبديّة.

شاهدت العُزلات تمشي وحيدة

كالوعول قرب هيجان المحيط

والأجساد تطفو فوق الزّبَد والحطام

وكان القادمون من بلدان (المتروبول)

يطلُون من شرفاتهم ذات الطُرز الهندية بينما كنا نقرأ دروس اللغة والفقه، على ضوء السرجان التي تتنفس بصعوبة مثل كائنات تحتضر.

وهناك أيضا تخيلنا البحارة في المناور والمراكب الشراعية غاطسين في أعماق (سلامة وبناتها) وشاهدنا بحر الظلمات. وكان الصيادون الفقراء يأتوننا لقراءة الطالع البحري فنقرأ لهم شعرا للمتنبي وأبي مسلم، على شكل تعاويذ حتى يصطادوا بوفرة فيغمرون التلاميذ بالسمك والح

وجزيرة سرنديب حيث يأكلون الفيلة والبشر ويطيرون بأجنحة من نار.

كان ذلك عام 1965، أتذكر كنا ننام على حافة الوادي في (سرور) على جري العادة في الأصياف اللاهبة. كنا نفترش المسيل الذي تلمع أحجاره الصغيرة تحت سطوة الضوء الباذخ لقمر تشرين. وكانت أصوات صناطير ((القيّاظة)) ولهاث نسائهم خلف الستائر الخفيفة البيضاء التي يمتازون

كنا صبية الوادي الأشقياء.

وعصابة الجبال التي تصطاد الفجر والقطا.

بينما الأهل غارقون في نهر نومهم الذي تفيض على جوانبه الأحلام والمشاجرات.

في ذلك اليوم، اليوم نفسه سمعنا النداء الغامض قادما من أسافل القرية يتهادى مثقلا بطحالبه ونعاسه، مبشرا بوصول القادمين من الشرق الافريقي وزنجبار إثر الانقلاب في تلك الأقاصي السوداء، بعد أن حكمها العُمانيون عقودا متتالية، ملتهمين طقسها وعطاءها الوفير كما ظلو

والعابرين نحو البنادر والبحار.

وكنا نحن عصابة الأصغاء، نلملم أطراف المشهد

معيدين بناء المغامرة في مخيلاتنا المرتجفة من فرط الهواجس وأحلام الاقتحام

وفي اليوم نفسه، ربما من عام آخر

وزمن آخر غير موجود في الذاكرة البشرية

وبعد ما مرت سنوات عجاف

هلك فيها الزرع والضرع، سمعنا النداء نفسه من أعالي القرية هذه المرة،

ينبئ بالسيول الكاسرة التي تبدو في اندفاعها

الكاسح ورهافتها وملمسها السماوي الحزين كأنما

قادمة من خلف جبال الكون.

التعليقات (0)

لا يوجد تعليقات حالياً

أضف تعليق

كلمات قسم سيف الرحبي

مقاطع 3 – سيف الرحبي

الجسد الجريح يخبط الماء ناسيا خلفه السنوات أي نسيان هذا الذي لا يتركك تنام؟ اليوم تكسر السيجارة كأنما تكسر السنوات لأنك لا تستطيع التدخين كما كنت تفعل في الماضي مطلا من النافذة الى الصباح والثلج والطيور الى جبل ((فيتوشا)) الى النساء تنضح...

أسرح النظر – سيف الرحبي

أُسرّح النظر برهافة الغياب فأرى الأربعين تلهث من غار الى غار ومن مدينة الى أخرى وعْلاً فاجأه هياج القنّاص جنديا نسي عدته في المعركة باحثا عن سراب استراحة فأسا ينفصل عن رأس عاشقه بعد سنين من العناق مسافرا في ليل نواياه. أطلق...

أحلام القدماء – سيف الرحبي

أحلام القدماء تلك التي تفعمني برائحة الموتى في السرير أراهم يختالون في حدئقهم المليئة بالسناجب في غسق المقابر مشيرين إليّ بضراعةٍ وعنف أن التحق بالقافلة رغم عواء كلبها الجريح. وربما غير ذلك لا أكاد أتبيّن الاشارات في ظلام المقابر الدامس. عيونهم مَغْمضَة...

في واد مكتظّ بالأفاعي والزرافات – سيف الرحبي

في واد مكتظّ بالأفاعي والزرافات رأيتُ الرجال الشّقر يرمون اللحم للنسور ويلحقون بها خفية حتى تحط في مكان آخر من البيداء: كان ذلك دليلهم الهندسي الذي يقودهم نحو مواطن الألماس. طريق الحرير جسر الغرب نحو الذهب رأس الرجاء الصالح ابن ماجد في...

لا أرى شيئاً – سيف الرحبي

لا أرى شيئاً لا أسمع شيئاً غارقا في ظلام مقابري حتى بقايا العنادل والعصافير البرية وطيور أخرى جلبت من نواحي ((تايلند)) وبحر العندمان والتي كانت تذكرني بالحياة، سكتت دفعة واحدة كأنما نزفت صوتها للمرة الأخيرة أو قطعت عادتها اليومية. كذلك الكلب النابح...

الشجر الذابل أمام بيتي – سيف الرحبي

الشجر الذابل أمام بيتي، أرقبه كل صباح وأنا ذاهب الى العمل وكل مساء وأنا قادم من البحر، وقد أرخى سدول أيامه بيأس أمام سطوة الجبال والمآذن والعمائر المأهولة بالجفاف وبمخلوقات زنخة تفوح من اردانها جثة العالم المتفسخة منذ قرون. أرقب الشجر، شجر...

الباشق الذي كان ينقض على السلاحف – سيف الرحبي

الباشقُ الذي كان ينقضّ على السلاحف والأسماك في القيعان البحرية المثلّمة، وفي الكهوف والخلجان، أراه الآن يحوّم مع إناث خياله في هدوء سماء لم تعد تحلم بالنجوم والمفاجآت. سماء خرساء بمجراتها الهرمة كأبراج مدينة منكوبة وبرك تتموج تحت نعيق الغربان ومفارش الخريف....

هذا الوجه أين رأيته ، أين صادفته ؟ – سيف الرحبي

هذا الوجه أين رأيته، أين صادفته في مهب أحوالي ومعترك مدائني: في الحلم أو اليقظة، في الشرق أو الغرب بأي ساحة أو مدينة وزقاق. في الدخان المتصاعد من حناجر الغرقى، في المتوسط وبحر إيجة، كازنتزاكي، يتنزه بين عظام الاغريق، في البحر الميت...

كلمات مختارة

لا اهلا ولا سهلا – أمل غربي

قولوا لهم بالقلب لا اهلا ولا سهلاً بهم وإن ظنوا فينا طيب فينا خاب والله ظنهم الطيب مع منهو تردّى ما هو طيب إلا رِدى اما يعيبك ولا عل فاضي ترى راح وسُدى قولو لهم كِش سَوْد الله بل وجيه اوجيههم استنقصونا...

مفرفح – ماجد المهندس

خل اشوفك هسه اريدك لاتطولها عليه انت مو واحش عيوني انت واحش كلشي بيه شوف وين انته وانا طيارة اجيك ياعشق روحي ترا مفرفح عليك يالحلو كُلك اموت بكل شي بيك بايع الدنيا حبيبي ومشتريك بعد روحي و روح قلبي من مغرم...

في القلب انت – تامر حسني

ازعل من الناس كلها واجي عندك ومبزعلش اقفش علي الناس كلها وعليك انت مبقدرش ياما ناس مش مسموحلها ومانعها انا متهزرش بس انت اعمل مابدالك ياحبيبي ومتفكرش انت فين وهما فين ياحبيبي اه ياصبري عليك ياحبيبي حبيبي ياصبري عليك ياحبيبي انت المتدلع...

نصي الثاني – سيف نبيل

هديه انت من الله اليه حنيه فدوه شكد شايل حنيه سويه لاخر يوم نضل سويه و سننج بافي لاخر يوم هديه انت من الله اليه حنية فدوة شكد شايل حنيه سويه لاخر يوم نضل سويه واني باقي بظهرك دوم انت ادماني يا...

مولعينها – تامر حسني

تسقيفه لينا علشان بندلع نفسينا بنهدي الدنيا والدنيا دي صعب تهدينا ولعبنا السهله ومش سهله انها تلعب بينا احنا نقوم بيها لاكن عمرها ما تقوم بينا مولعينها مولعينها وناس كتير شافت بعينها فاكرينا قال ايه مريحين دي اشاعه واحنا مطلعينها تحيه لينا...

حواليا ناس – يسرا محنوش

يجي من سنة واكتر شوية كان فراقك ولسه برضه بحن ليك وبفتكر من يوم لقانا ليوم وداعك واقول لنفسي ياترى هو بقى عامل إيه؟ ده انا لما اقابل صدفة واحد من صحابك على طول بسأل عليك وقبل ما امشي بسيب أمانة معاه...

عرش بلقيس – راشد الماجد

خذ شور عاقل ثم تعوذ من إبليس بعض النصايح ما تقدر بالأثمان ويش اللي جاب من اليمن عرش بلقيس لو ما لفا بالعلم هدهد سليمان ترى الزعل والحزن وكثر الوساويس تضعف نياط القلب وإتصك شريان ما قول لك لاتحب حب بمقاييس ع...

انت وين – ماجد المهندس

من يوم ما عني رحت وانا على هالحال تعال ترى الدنيا بعد عينك ناقصها راحة بال مانستاهل آني وانت ننتهي هيچي نهاية مو القصة اللي اتفقنا نعيشها من البداية الدنيا ما تسمى دنيا من اشوفك مو ويايا هسه انت وين؟ وصفت وين...

Powered By Verpex

Powered By Verpex