و ما بينهما – جمال مرسي
غِيَابٌ رَاحَ يُنذِرُ بِالغِيَابِ ... حُضُورٌ جَاءَ يُنبِئُ بِاغتِرَابِي
يَنَابِيعٌ تَفَجَّرُ في ضُلُوعِي ... و مَا زَالَ اللَّظَى يَكوِي إهَابِي
صَحَارَى التِّيهِ تَشرَبُ مِن عُيُونِي ... ومَا زِلتُ المُحَدِّقَ فِي السَّرَابِ
أَطِيرُ عَلَى جَنَاحٍ مِن يَقِينٍ ... لأَسقُطَ فِي دَيَاجِيرِ ارتِيَابِ
ويَجنَحُ بِي خَيَالٌ ، أنتِ فِيهِ ... كَوَمضِ البَرقِ فِي عَينِ السَّحَابِ
عَلَى أَغصَانِكِ الخَضرَاءِ تَلهُو ... فَرَاشَاتُ التَّمَرِّدِ و التَّصَابِي
و فِي جَنَّاتِكِ الفَيحَاءِ ، يَتلُو ... حَمَامُكِ مَا تَسَطَّرَ فِي كِتَابِي
أَنَا نِصفَانِ ، نِصفٌ فِي هُدُوئِي ... و نِصفٌ قَد تَوَارَى فِي عُبَابِي
أَنَا شَمسَانِ ، شَمسٌ فِي جَبِينِي ... و شَمسٌ قَد أَشَعَّت فِي ثِيَابِي
أَنَا مَطَرٌ ، بِرَغمِ هَزِيمِ رَعدِي ... بِهِ رَوَّيتُ أَزهَارَ الرَّوَابِي
أَنَا مَا كُنتُ ظِلاًّ ، بَيدَ أنِّي ... أُظَلِّلُ مَن تَعثَّرَ مِن صِحَابِي
أَحِنُّ و لَستُ أَحنِي رَأسَ شِعرِي ... و أَحنُو مَا حَيِيِتُ عَلَى المُصَابِ
سَلِي عَنِّي إِذَا أُنسِيتِ قَدرِي ... أَنَا الحَادِي ، و غَيرِي فِي رِكَابِي
أُحِبُّكِ ، لَم تَزَل بِدِمَايَ تَسرِي ... و فِي عَينَيَّ يَفضَحُني شِهَابِي
أُحِبُّكِ ، لا أُمَارِي فِي شُعُورِي ... و مَا كُنتُ المُزَايِدَ و المُرَابِي
فَلاَ يَغرُرْكِ أَنِّي قَد تَنَاهَى ... إِلَى عَيْنَيكِ حُبِّي و انتِسَابِي
و لا يَغرُرْكِ أَنَّكِ كُنتِ بَدراً ... أَطَلَّ عَلَيَّ فِي لَيلِ اكتِئَابِ
فَإِن كُنتِ الأَمِيرَةَ فَوقَ عَرشِي ... فَقَد شَيَّدتُ عَرشَكِ مِن شَبَابِي
وَهَبتُكِ مَا تَمَنَّى كُلُّ أُنثَى ... و لَم أَحصُدْ سِوَى شَوكِ الغِيَابِ
مَنَحتُ لِقَلبِكِ الخَفَّاقِ نَبضِي ... سَلِيهِ يُجِبْكِ يا ذَاتَ الحِجَابِ
سَلِي عَينَيكِ كَم كَفكَفتُ دَمعاً ... و ثَغرَكِ كم تروَّى مِن رُضَابِي
سَلِي يُمنَاكِ كَم نَامَت بِكَفِّي ... و خَوفَكِ كَم تَحَصَّنَ فِي هِضَابي
سَلِي اللَّيلَ الذِي نَهَشَ الأَمَانِي ... بِمِخلَبِهِ ، و مَزَّقَهَا بِنَابِ
يُجِبْكِ بِأَنَّنِي مَن كُنتُ أَقضِي ... عَلَيهِ ، بِلا سُيُوفٍ أو حِرابِ
و كَانَت ضِحْكَتِي تَنسَابُ فِيهِ ... إِلَى أُذُنَيكِ كَالخَمرِ المُذَابِ
و كُنتُ أُضِيءُ كُلَّ شُمُوعِ قَلبِي ... لأَجلِكِ فِي ذَهَابٍ أو إِيَابِ
و كَم سَهِرَتْ عَلَيكِ عُيُونُ شِعرِي ... و نِمتِ عَلَى السَّكِينَةِ فِي جَنَابِي
أَيَا وَطَناً يَتِيهُ النِّيلُ فِيِهِ ... أُعَاتبُهُ فَيُصغِي للعِتَابِ
و أَعزِفُ عِندَهُ لَحناً حَزِيناً ... فَيَسحَرُنِي بِأَلحَانٍ عِذابِ
و أُغرِقُ فيِهِ كُلَّ سِنينِ يَأسِي ... و أَستَهدِيِه يُلهِمُنِي صَوَابِي
أغارَ النيلُ ، أم ضلّت خطاهُ ... و من كالنيلِ عوناً في المُصابِ ؟
أَتُوصِدُ كُلَّ بَابٍ في عُيُونِي ... و فِي قَلبِي أُوَارِبُ كُلَّ بَابِ ؟
و تَترُكُنِي عَلَى وَلَهي وَحِيداً ... أُفَتِّشُ فِي خَيَالِي عَن جَوَابِ
لا يوجد تعليقات حالياً