هجرت الشعر – جمال مرسي
أيُجدي ما يبوح بِهِ يراعي ... بحِلمٍ تارةً ، أو باندفاعِ
و هل يروي غليلي بعضُ شعرٍ ... و هل يرثي لهمِّي و التياعي
كرهتُ الشعرَ ، خاصمتُ القوافي ... و هاجرتُ الخيالَ عن اْقتناعِ
و قلُتُ أعيشُ في بيتٍ جديدٍ ... بعيداً عن نفاقٍ أو خداعِ
فما عادت بيوتُ الشِّعرِ إلا ... مساكنَ للعقاربِ و الأفاعي
و ما عادَ الخيالُ الخصبُ يُجدي ... لرأبِ الصدعِ أو فضِّ النزاعِ
و عالمنا تموجُ بِهِ الرزايا ... و تلطِمُ وَجْهَهُ كَفُّ الصراعِ
تؤمرِكُهُ بخبثٍ حيثُ شاءَتْ ... ولاياتُ التشرذمِ و الضياعِ
و إسرائيلُ طفلتها استباحتْ ... دمائي ، موطني ، شمسي ، شعاعي
تُعربِدُ ما تشاءُ بكلِّ وادٍ ... كسائِمَةٍ لها خصبُ المراعي
و ما من مخلِصٍ ليقولَ كلا ... برمحٍ سمهريٍّ للضِّباعِ
و ما كانت سوى الكلماتِ تهوي ... مُحَطَّمَةً بقاعات اجتماعِ
سألتُ الشِّعرَ : هل حرَّرتَ أرضاً ... بلا سيفٍ يُلَوِّحُ أو ذِراعِ؟
و هل حَقَّقْتَ يا مسكينُ نصراً ... بِخَطٍّ ، لا بِخَطِّيٍّ شجاعِ؟
و هل أطلقتَ من حبسٍ أسيراً ... تَمَرَّغَ في زنازين التياعِ؟
و هلْ غيرُ التجاهُلِ ما جناهُ ... ذووكَ العاشقونَ بغير داعِ؟
إذا كتبوا ، فجمهورٌ قليلٌ ... لما كتبوا يُمَحِّصُ أو يُراعي
و إن سلقوا بألسنةٍ حِدادٍ ... غدت أجسادُهُمْ طُعمَ السِّباعِ
و إن عزفوا بقاعاتِ استماعٍ ... فلا سمعٌ بقاعاتِ استماعِ
أجابَ الشِّعرُ : مظلومٌ برئٌ ... من التُّهَمِ التي خَرَقَتْ شراعي
و فاضت بالدموعِ عيونُ شِعري ... فأرسلَ كُلَّ حرفٍ للدفاعِ
تقولُ الشينُ : شمس الشعر أسمى ... و إنْ حُجِبَتْ بغيمٍ أو قناعِ
و قالت عينُهُ : هل من عميدٍ ... كمثلِ الشعرِ موفورِ الطِّباعِ
و قالت راؤُهُ :رفقاً صديقي ... و لا تعجلْ بهجرٍ أو وداعِ
فصوتُ الحقِّ في بيتٍ يتيمٍ ... يدكُّ الشرَّ في كلِّ البقاعِ
و عذبُ الشِّعرِ بالأرواح يسمو ... على كلِّ ابتكارٍ و اختراعِ
و نبضُ الشِّعرِ موَّارٌ يُدوِّي ... و نجم الشِّعرِ دوماً في ارتفاعِ
هجرتُ الشعرَ يا سلمى ، و لكنْ ... لأجلكِ قد أعود إلى يراعي
لأكتبَ يا ابنتي شعراً جميلاً ... لعينِكِ ، رحلتي زادي متاعي
فحُبُّكِ يا مُنى نفسي عظيمٌ ... يُحطِّمُ سورَ رفضي و امتناعي
لا يوجد تعليقات حالياً