ثمن الغربة – جمال مرسي
قد شفّني الوجد لو تدرينَ يا أملُ ... و الدمع في مُقلتي ضاقت بهِ السبُلُ
فانسالَ كالدُّرِّ فوق الخد مكتئباً ... لما رأى الصحبَ للأوطان قد رحلوا
سألتُهُ ، و رياح الشوقِ تعصفُ بي ... ماذا دهاكَ ، أبعد الشيبِ تنهملُ ؟
أجابني : و متى يا صاحِ تُهرقني ... و قد أصابكَ جُرحٌ ليس يندملُ
أليس في غربةٍ جُرِّعتَ قسوتها ... دهراً طويلاً إذا ما قستها ثِِقَلُ؟
و في فراقِ حبيبٍ قد حُرِمتَ بِهِ ... طعمَ الكرى و الهنا يا صاحبي مللُ ؟
كلٌّ طوى ليلَهُ و اغتال غربتهُ ... و أنت لا زلتَ بالدينارِ تنشغلُ
أغراك كسبٌ له بالبعد عن وطنٍ ... عشرينَ حوْلاً ، طواك السهلُ و الجبلُ
قلتُ اصمتي يا دموع العين و ارتدعي ... فقد دها القلبَ من تثريبكِ الكللُ
أما علمتِِ و أنتِ النارُ في كبدي ... كيف اشتياقي لأرضِ النيلِ مشتعلُ ؟
مصرُ التي قد ثوت في خافقي و دمي ... من ذا ينازعني فيها و يحتملُ ؟
لا المالُ يا أدمعي يُغني و وفرتُهُ ... عن ذرةٍ من ثراها منهُ أكتحِلُ
كلا و لا الذهبُ البراقُ يسلبني ... عقلي ، و إن زاغتِ الأبصارُ و المُقَلُ
و ما الدانوبُ و نهر السينِ من نَهَرٍ ... ينسابُ في أرضها شلالُهُ العسلُ
و الشمسُ ما الشمسُ إلا من مشارقها ... إني بكأسِ ضحاها شاربٌ ثَمِلُ
و البدرُ قد زادهُ أنوارُها أَلَقاً ... فمن محاسنها يزهو و يكتملُ
إن حَمْلقَتْ عينُهُ في وجهها عَرَضاً ... أصابَهُ في عُلاهُ الخسفُ و الخَجَلُ
و أين مني أذان الفجرِ، يرفعهُ ... في أزهرِ الخيرِ صوتٌ خاشعٌ وَجِلُ
و من إذا جفَّ نبعُ الشعرِ أو نضبت ... بحورُهُ ، أو عراهُ الزيفُ و الخللُ
يُلقي لنا طوق إنقاذٍ بأمسيةٍ ... في صيفِ مصرَ بهِا الأشعارُ تُرتجَلُ
فيرتوي القلبُ من شعرٍ و من زَجَلٍ ... و يسلبُ الوافرُ الألبابَ و الرَمَلُ
و تسكبُ اللحنَ في الآذانِ صادحةٌ ... في الخلقِ ليس لها نِدٌّ و لا مَثَلُ
يا أيها الدمعُ أمسكْ عن مُعاتَبَتي ... فليس لي عن هوى محبوبتي حِوَل
إن غبتُ عنها ، فإن الشوقَ يدفعني ... لها ، و من غربتي في النيلِ أغتسلُ
أُطهرُ الروحَ من ذنبِ اغترابي ، و من ... ليلٍ طوتني بِهِ الأمصارُ و الدولُ
لا يوجد تعليقات حالياً