إشارة حمراء – جمال مرسي
نَظَرَت ، نَظَرْتُ ، فَرَقَّتِ الأَنظارُ ... شَهِقَت ، شَهِقْتُ ، فَعَادَنِي التّذكَارُ
و كأنَّ صُورَتَهَا التِِّي لَمَّا تَغِب ... عَنِّي ، شَرِيطٌ مَرَّ بي ، و مَنَارُ
يُرسِِي شِرَاعِيَ فَوقَ شَاطِئِ أَمسِِهَا ... لِيَتُوهَ .. بَعدَ إِيابِهِ .. البَحَّارُ
هِيَ ذِي ؟ أُسَائِلُ خَافِقاً مُتَرَنِّحاً ... مِن خَمرِ عَينَيهَا ، كَوَتهُ النَّارُ
هِيَ ذِي ؟ نَعَمْ جَاوَبتُنِي ، حَتَّى و إِنْ ... وَارَى مُحَيَّاهَا البَهِيَّ خِمَارُ
فالأُفْقُ لا تُخفِي الشُّمُوسَ غُيُومُهُ ... و اللَّيلُ تُبدِي حُسنَهُ الأَقمَارُ
و الرَّوضُ لا يَبقَى نَدِيّاً إِن جَفَت ... بَاحَاتِهِ الأَغصَانُ و الأَزهَارُ
يا أَنتِ : كِدتُ أَقُولهَا ، وعيونُنا ... كَادَت بِصَمتِِ حَدِيِثِهَا تَنهَارُ
و على دُنُوِّ مَسَافةٍ رُسِمَت لنا ... كَادَت تَبُوحُ بِسِرِّهَا الأَعطَارُ
هَل أَنتِ نَبضُ الأَمسِ ؟ أَم بِي جِنَّةٌ ... أَم كُنتُ مِن سُوُقِ الرُّؤَى أَمتَارُ ؟
هيَ أنتِ حقّاً مَن أَرَى ، أَم أَنَّنِي ... فِي الوَهمِ ، أَم قَد خَانَنِي الإِبصَارُ ؟
جَنَحَت بِأَشرِعَةِ السُّؤالِ سَفِينَتِي ... فَلتُنقِذِيهَا ، شَقَّهَا التَّيَّارُ
باللهِ لا تَتَمَنَّعِي ، قَد هَدَّنِي ... بِالأَمسِ مِنكِ الهَجرُ و الأَسفَارُ
و اليَومَ قَد مَنَّ السَّحَابُ بِقَطرَةٍ ... للشَّارِدَيْنِ ، و شَاءَت الأَقدَارُ
عَينَاكِ لِي وَطَنٌ و قَلبُكِ قِبلةٌ ... لمُشَرَّدٍ مِثلِي ، و صَدرُكِ دَارُ
كَم ذَا أَوَيتُ إِلَيهِ فِي لَيلِ الأَسَى ... أَغفُو ، و أَهدَابُ الجُفُونِ دِثَارُ
و مَسَحتُ فِي رُدنَيْكِ دَمعَةَ غُربَتِي ... و اْرتَدتُ بَحراً ، مَوجُهُ هَدَّارُ
أَنكَرتُ كُلَّ مَوَاجِعِي إِذ ضَمَّنِي ... قَلبُ الرَّبِيعِ ، و زَالَتِ الأَخطَارُ
و قَطَفتُ مِن خَدَّيكِ زَهرَةَ عَاشِقٍ ... أَسكَنتُهَا قَلباً عَلَيكِ يَغَارُ
قَد كُنتُ فِي صَفحَاتِ حُبِّكِ وَاحِداً ... و جَمِيعُهُم فِي صَفحَتِي أَصفَارُ
و اليَومَ تَجمَعُنَا "الإِشَارَةُ" ، والنَّوَى ... فَرضٌ عَلَينَا، و "الخَرِيفُ" سِتَارُ
يَا أَنتِ : ثَوبِي فِي البَرِيَّةِ نَاصِعاً ... يَبقَى ، فَلَم تَعلَق بِهِ الأَوْضَارُ
جُرِّعتُ كَاسَاتِ المُرَارِ ، و إِنَّنِي ... رَغَم الخُطُوبِ مَثَابرٌ صَبَّارُ
ما كُنتُ أَعبَأُ بِافتِرَاءِ مُخَادِعٍ ... كَعبِي عَلَيهِ ، و سَيفِيَ البَتَّارُ
إِن شِئتُ بِالشِّعرِ اْجتَثَثْتُ جُذُوُرَهُ ... كَي يَهدَأَ البُركَانُ و الإِعصَارُ
لكنَّ لِي فِي هَذِهِ الدُّنيَا رُؤَىً ... أَولَى ، و لَيسَ يَهُمُّنِي الأَقذَارُ
وَطنِي الَّذِي أَسكَنتُهُ فِي خَافِقِي ... فَاضَت بِأَعرَاقِي لَهُ الأَنهَارُ
مَا كُنتُ أَرضَى أَن يُدَنِّسَ ثَوبَهُ ... وَغدٌ، و يَنهَشَ لَحمَهُ غَدَّارُ
يَمتَدُّ بِي صَمتُ الكَلاَمِ ، و وِجهَتِي ... مَا عُدتُ أَذكُرُهَا و أَينَ مَسَارُ
و إذِ الإِشَارَةُ قَد تَغَيَّرَ لَونُهَا ... و يَمِينُهَا فِي نَاظِرَيَّ يَسَارُ
يا أنتِ لا تَتَعَجَّلِي ، مَهلاً ، ... و لاتَمشِي ، فَتُطوَى خَلفَكِ الأَسرَارُ
هل كُنتِ طَيفاً جَاءَ يُؤنِسُ وَحشَتِي ... بَعدَ الخَرِيفِ رَبِيعُهُ المِعطَارُ
أم كنتِ غَيثاً جاءَ يروِي تُربَتِي ... من بعدِ جَدبٍ ماؤُهُ المِدرَارُ
فَتُشِيحُ مُعرِضَةً بِوَجهٍ كَالنَّدَى ... و تَطِيرُ فِي أَعقَابِهَا الأَنظَارُ
و أنا المُسَمَّرُ في الإِشَارَةِ شَارِداً ... مِن خَلفِيَ الشُّرطِيُّ و الإِقرَارُ
لا يوجد تعليقات حالياً