حافظ إبراهيم – أحمد شوقي

قد كنتُ أُوثرُ أَن تقولَ رِثائي … يا مُنْصِفَ الموْتى من الأَحياءِ
لكنْ سبَقْتَ, وكلُّ طولِ سلامةٍ … قدرٌ, وكلٌ مَنِيَّةٍ بقضاءِ
الحقُّ نادَى فاسْتجَبْتَ, ولم تَزلْ … بالحقِّ تحفِلُ عندَ كلِّ نِداءِ
وأَتيْت صحراءَ الإِمامِ تذوب من … طُولِ الحنينِ لساكن الصحراءِ

فلقيت في الدار الإِمامَ محمدًا … في زُمْرَةِ الأَبرارِ والحُنفاءِ
أَثَرُ النعيم على كريمِ جبينه … ومراشدُ التفسيرِ والإِفتاءِ
فشكوتما الشَّوْقَ القديمَ, وذُقْتُما … طِيبَ التداني بعدَ طولِ تنائي
إِنْ كانت الأُولى منازلَ فُرْقةٍ … فالسمْحَةُ الأُخرى ديارُ لِقاءِ

وودِدْتُ لو أَني فداكَ من الرَّدَى … والكاذبون المُرْجِفونَ فِدائي
الناطقونَ عن الضَّغينةِ والهوى … المُوغِرُو المَوْتَى على الأَحياءِ
من كلّ هَدَّامٍ ويَبنى مجدَه … بكرائم الأَنقاضِ والأَشلاءِ
ما حَطَّموكَ, وإِنما بكَ حُطِّموا … من ذا يُحطِّم رَفْرَف الجوزاء

اُنظُره, فأَنت كأَمْسِ شأْنُكَ باذخٌ … في الشرقِ, واسْمُكَ أَرفعُ الأَسماءِ
بالأَمسِ, قد حَلَّيْتَني بقصيدةٍ … غراءَ تُحفَظُ كاليدِ البيضاءِ
غِيظ الحَسُودُ لها وقمتُ بشكرها … وكما علمتَ مَوَدَّتي ووفائي
في مَحفلٍ بَشَّرْتُ آمالي به … لما رَفعتَ إِلى السماءِ لِوَائي

يا مانِحَ السُّودانِ شرْخ شبابِه … ووَلِيَّهُ في السّلمِ والهيْجاءِ
لمَّا نزلْت على خمائله ثوَى … نبْعُ البيانِ وراءَ نَبْع الماءِ
قلَّدْتَهُ السيفَ الحُسامَ, وزدْتَهُ … قلمًا كصدرِ الصَّعْدةِ السمراءِ
قلم جرى الحِقبَ الطِّوالَ فما جرى … يومًا بفاحشةٍ ولا بهجاءِ

يكسو بِمدْحَتِه الكِرامَ جلالةً … ويُشَيِّعُ الموْتى بحسنِ ثَناءِ
إِسْكَنْدَرِيّةُ يا عروسَ الماء … وخميلةَ الحكماءِ والشعراءِ
نشأَتْ بشاطِئِكِ الفنونُ جميلةً … وتَرعرعَتْ بسمائِك الزهراءِ
جاءَتْكِ كالطيرِ الكريمِ غرائبًا … فجمعتِها كالرَّبْوَةِ الغنَّاءِ

قد جمَّلوكِ, فصِرْتِ زِنْبَقَةَ الثرَى … للوافدين ودُرَّةَ الدَّأْماءِ
غرَسُوا رُباكِ على خمائلِ بابلٍ … وبَنَوْا قصورَك في سَنا الحمراءِ
واستحدثوا طُرُقًا مُنوَّرة الهدى … كسبيلِ عيسى في فِجاجِ الماءِ
فخُذي كأَمِس من الثقافة زينةً … وتجمَّلِي بشبابكِ النُّجَباءِ

وتقلَّدي لغةَ الكتابِ; فإِنَّها … حَجَرُ البناءِ, وعُدَّةُ الإِنشاءِ
بَنَتِ الحضارةَ مَرَّتيْن, ومهَّدتْ … للمُلكِ في بغدادَ والفَيْحاءِ
وسَمَتْ بقرطبةٍ ومصرَ, فحلَّتا … بين الممالكِ ذِرْوَة العَلياءِ
ماذا حشدتِ مِن الدموع “لحافظٍ” … وذخرْتِ من حزنٍ له وبُكاءِ

ووجدْتِ مِن وقع البلاءِ بفقدهِ … إِن البلاءَ مَصارِعُ العظماءِ
اللهُ يشهدُ قد وَفيْتِ سخيَّةً … بالدَّمع غيرَ بَخيلةِ الخطباءِ
وأَخذتِ قِسطًا من مَناحةِ ماجدٍ … جَمِّ المآثِرِ, طيِّبِ الأَنباءِ
هَتف الرُّواةُ الحاضرون بشعره … وحدا به البادون في البَيْداءِ

لبنانُ يَبكيه, وتبكي الضادُ من … حَلبٍ إِلى الفيْحا إِلى صَنْعاءِ
عربُ الوَفاءِ وَفوْا بذمّةِ شاعرٍ … بانى الصفوفِ, مُؤلفِ الأَجزاءِ
حافظَ الفصحى, وحارسَ مَجْدِها … وإِمامَ مَنْ نجَلتْ من البُلغاءِ
ما زِلْتَ تهتفُ بالقديم وفضلهِ … حتى حَمَيْت أَمانةَ القُدماءِ

جدّدت أُسلوبَ (الوليدِ) ولفظَه … وأَتيْت للدّنيا بسحر (الطائي
وجريْت في طلبِ الجديدِ إِلى المدى … حتى اقترنْت بصاحب البُؤساءِ
ماذا وراءَ الموت من سَلْوَى, ومن … دَعَةٍ, ومن كرَمٍ, ومن إِغضاءِ
اشرحْ حقائقَ ما رأَيْت, ولم تزل … أَهلاً لِشرْح حقائِقِ الأشياءِ

رُتبُ الشجاعةِ في الرِّجالِ جلائلٌ … وأَجَلُّهُنَّ شجاعةُ الآراءِ
كم ضِقتَ ذَرْعًا بالحياة وكيْدِها … وهتفت بالشكوى من الضَّراءِ
فهلُمَّ فارِقْ يأْسَ نفسِك ساعةً … واطلُعْ على الوادي شُعاعَ رجاءِ
وأَشرْ إِلى الدنيا بوجهٍ ضاحكٍ … خُلِقتْ أَسِرَّتُهُ من السَّراءِ

يا طالما مَلأَ النَّدِيَّ بشاشةً … وهدى إِليك حوائجَ الفقراءِ
اليومَ هادنْت الحوادِثَ; فاطَّرِحْ … عِبْءَ السنين, وأَلْق عِبْءَ الداءِ
خلَّفْت في الدنيا بيانًا خالدًا … وتركْت أَجيالاً من الأبناءِ
وغدًا سيذكرك الزمانُ, ولم يَزلْ … للدِّهرِ إِنصافٌ وحسنُ جزاءِ

0