الرأي قبل شجاعة الشجعان – المتنبي

الرّأيُ قَبلَ شَجاعةِ الشّجْعانِ … هُوَ أوّلٌ وَهيَ المَحَلُّ الثّاني

فإذا همَا اجْتَمَعَا لنَفْسٍ حُرّةٍ … بَلَغَتْ مِنَ العَلْياءِ كلّ مكانِ

وَلَرُبّما طَعَنَ الفَتى أقْرَانَهُ … بالرّأيِ قَبْلَ تَطَاعُنِ الأقرانِ

لَوْلا العُقولُ لكانَ أدنَى ضَيغَمٍ … أدنَى إلى شَرَفٍ مِنَ الإنْسَانِ

وَلما تَفَاضَلَتِ النّفُوسُ وَدَبّرَتْ … أيدي الكُماةِ عَوَاليَ المُرّانِ

لَوْلا سَميُّ سُيُوفِهِ وَمَضَاؤهُ … لمّا سُلِلْنَ لَكُنّ كالأجْفانِ

خاضَ الحِمَامَ بهنّ حتى ما دُرَى … أمِنِ احتِقارٍ ذاكَ أمْ نِسْيَانِ

وَسَعَى فَقَصّرَ عن مَداهُ في العُلى … أهْلُ الزّمانِ وَأهْلُ كلّ زَمَانِ

تَخِذُوا المَجالِسَ في البُيُوتِ وَعندَه … أنّ السّرُوجَ مَجالِسُ الفِتيانِ

وَتَوَهّموا اللعِبَ الوَغى والطعنُ في الـ … ـهَيجاءِ غَيرُ الطّعْنِ في الميدانِ

قادَ الجِيَادَ إلى الطّعانِ وَلم يَقُدْ … إلاّ إلى العاداتِ وَالأوْطانِ

كُلَّ ابنِ سَابقَةٍ يُغيرُ بحُسْنِهِ … في قَلْبِ صاحِبِهِ عَلى الأحزانِ

إنْ خُلِّيَتْ رُبِطَتْ بآدابِ الوَغَى … فدُعاؤها يُغني عنِ الأرْسانِ

في جَحْفَلٍ سَتَرَ العُيُونَ غبارُهُ … فكأنّمَا يُبْصِرْنَ بالآذانِ

يَرْمي بهَا البَلَدَ البَعيدَ مُظَفَّرٌ … كُلُّ البَعيدِ لَهُ قَرِيبٌ دانِ

فكأنّ أرْجُلَهَا بتُرْبَةِ مَنْبِجٍ … يَطرَحنَ أيديَها بحِصْنِ الرّانِ

حتى عَبرْنَ بأرْسَنَاسَ سَوَابحاً … يَنْشُرْنَ فيهِ عَمَائِمَ الفُرْسانِ

يَقْمُصْنَ في مثلِ المُدَى من بارِدٍ … يَذَرُ الفُحُولَ وَهنّ كالخصْيانِ

وَالماءُ بَينَ عَجاجَتَينِ مُخَلِّصٌ … تَتَفَرّقانِ بِهِ وَتَلْتَقِيَانِ

رَكَضَ الأميرُ وَكاللُّجَينِ حَبَابُهُ … وَثَنى الأعِنّةَ وَهْوَ كالعِقيانِ

فَتَلَ الحِبالَ مِنَ الغَدائِرِ فوْقَهُ … وَبَنى السّفينَ لَهُ منَ الصّلْبانِ

وَحَشاهُ عادِيَةً بغَيرِ قَوَائِمٍ … عُقُمَ البطونِ حَوَالِكَ الألوَانِ

تأتي بما سَبَتِ الخُيُولُ كأنّهَا … تحتَ الحِسانِ مَرَابضُ الغِزْلانِ

بَحْرٌ تَعَوّدَ أنْ يُذِمّ لأهْلِهِ … من دَهْرِهِ وَطَوَارِقِ الحِدْثَانِ

فتَرَكْتَهُ وَإذا أذَمّ مِنَ الوَرَى … رَاعَاكَ وَاستَثنى بَني حَمدانِ

ألمُخْفِرِينَ بكُلّ أبيَضَ صَارِمٍ … ذِممَ الدّرُوعِ على ذوي التّيجانِ

مُتَصَعْلِكينَ على كَثَافَةِ مُلكِهم … مُتَوَاضِعِينَ على عَظيمِ الشّانِ

يَتَقَيّلُونَ ظِلالَ كُلّ مُطَهَّمٍ … أجَلِ الظّليمِ وَرِبْقَةِ السِّرْحانِ

خَضَعتْ لمُنصُلكَ المَناصِلُ عَنوَةً … وَأذَلّ دِينُكَ سَائِرَ الأدْيانِ

وَعلى الدّروبِ وَفي الرّجوعِ غضَاضَةٌ … وَالسّيرُ مُمْتَنِعٌ مِنَ الإمْكانِ

وَالطّرْقُ ضَيّقَةُ المَسَالِكِ بالقَنَا … وَالكُفْرُ مُجتَمعٌ على الإيمَانِ

نَظَرُوا إلى زُبَرِ الحَديدِ كأنّمَا … يَصْعَدْنَ بَينَ مَناكِبِ العِقْبانِ

وَفَوَارِسٍ يُحيي الحِمامُ نُفوسَها … فكأنّهَا لَيستْ مِنَ الحَيَوَانِ

مَا زِلتَ تَضرِبهُم دِرَاكاً في الذُّرَى … ضَرْباً كأنّ السّيفَ فيهِ اثْنانِ

خصّ الجَماجمَ وَالوُجوهَ كأنّمَا … جاءتْ إليكَ جُسُومُهمْ بأمانِ

فرَمَوْا بما يَرْمونَ عَنْهُ وَأدْبَرُوا … يَطَأونَ كُلّ حَنِيّةٍ مِرْنَانِ

يَغشاهُمُ مَطَرُ السّحاب مُفَصَّلاً … بمُهَنّدٍ وَمُثَقَّفٍ وَسِنَانِ

حُرِموا الذي أمَلُوا وَأدرَكَ منهُمُ … آمَالَهُ مَنْ عادَ بالحِرْمانِ

وَإذا الرّماحُ شَغَلنَ مُهجَةَ ثائِرٍ … شَغَلَتْهُ مُهْجَتُهُ عَنِ الإخْوَانِ

هَيهاتِ عاقَ عنِ العِوادِ قَوَاضِبٌ … كَثُرَ القَتيلُ بها وَقَلّ العَاني

وَمُهَذَّبٌ أمَرَ المَنَايَا فِيهِمِ … فأطَعْنَهُ في طاعَةِ الرّحْمانِ

قد سَوّدتْ شجرَ الجبالِ شُعُورُهم … فكأنّ فيهِ مُسِفّةَ الغِرْبانِ

وَجَرَى على الوَرَقِ النّجيعُ القَاني … فكأنّهُ النّارَنْجُ في الأغصانِ

إنّ السّيُوفَ معَ الذينَ قُلُوبُهُمْ … كقُلُوبهنّ إذا التَقَى الجَمعانِ

تَلْقَى الحُسامَ على جَرَاءَةِ حدّهِ … مثلَ الجَبانِ بكَفّ كلّ جَبَانِ

رَفعتْ بكَ العرَبُ العِمادَ وَصَيّرَتْ … قِمَمَ المُلُوكِ مَوَاقِدَ النّيرانِ

أنسابُ فَخرِهِمِ إلَيْكَ وَإنّمَا … أنْسَابُ أصْلِهِمِ إلى عَدْنَانِ

يا مَنْ يُقَتِّلُ مَنْ أرَادَ بسَيْفِهِ … أصْبَحتُ منْ قَتلاكَ بالإحْسانِ

فإذا رَأيتُكَ حارَ دونَكَ نَاظرِي … وَإذا مَدَحتُكَ حارَ فيكَ لِساني