ملحمة العِزة – جمال مرسي
لو أستطيعُ صَمَتُّ يا أقراني ... و كتمتُ في جوفي لظى أحزاني
و حبستُ دمعي في العيونِ مُكبَّلاً ... كَيََدَيَّ في قيدٍ من النيرانِ
لكنَّه قد ثار حين حبستُهُ ... بين الجفونِ كثورةِ البركانِ
ما كنتُ صخريَّ المشاعرِ حينما ... هجم الأسى بجيوشهِ فغزاني
و كأنَّهُ يدري بأنِّي مُوهنٌ ... مِمّا دها كلَّ الورى ، و دهاني
خطبٌ ألمَّ بأُمَّتي ، فتزلزلتْ ... من هَولِهِ منظومةُ الأكوانِ
خطبٌ ، و كم أعيت خطوبٌ قبلهُ ... هَجَرَ الكرى جرَّاءها أجفاني
خطبٌ ، و هل من بعد غزةِ هاشمٍ ... و دمارِها يا قومُ خطبٌ ثانِ
إني نظرتُ إلى الصباحِ رأيتُهُ ... مُتوشِّحاً ثوبَ الظلام الجاني
و نظرتُ مُرتقِباً إلى شمس الضُّحى ... غابت ، و حلَّ مكانها ليلانِ
و إذا النجومُ بكلِّ ليلٍ صخرةٌ ... شُدَّتْ إلى الأوتادِ بالأرسانِ
و رأيتُ عينَ البدرِ تذرفُ دمعها ... و الغيمُ جاد بمائهِ الهتَّانِ
و الطير تأبى أن تبُثَّ غناءها ... أو أنْ تجودَ بأعذبِ الألحانِ
فسألتُ:ماذا ؟ هل أنا ذات الأنا ... و هل الزمان أيا رفاقُ زماني
و هل البسيطةُ لم تزل بمدارها ... أم أنها كفَّتْ عن الدورانِ
و سألتُ مَنْ حولي : أحقاً ما أرى ... أم أنه ضربٌ من الهذيانِ
أَوَ تلكَ غزةُ هاشمٍ ، أشلاؤُها ... كشذورِ دُرٍّ بُعثِرَت و جُمانِ ؟
قولوا بأنِّي واهمٌ و مضلّّلٌ ... فيهِ العمى و الجهلُ يصطرعانِ
قولوا بأني مثل سائرِ أمتي ... أعمى يسيرُ بموكبِ العميانِ
ما عاد يشغلنا سوى أقواتِنا ... و الرقصِ عند معازفٍ و قيانِ
آمنتُ باللهِ العظيمِ حسيبِنا ... ما خاب مُلتجِئٌ إلى الديّانِ
هولُ المفاجأةِ العظيمةِ راعني ... و صدى الفجيعةِ داخلي أبكاني
يا كل من جعل الكرامة ثوبَهُ ... في غزة الشرفاء هاك بياني:
أنت الأبيُّ ، و إننا يا للأسى ... غرقى ببحرِ مذلّةٍ و هوانِ
ما عاد فينا غيرُ صوتِ حناجرٍ ... واهٍ برغمِ ضخامةِ الأبدانِ
سقط القناعُ عن الوجوهِ ، فكلُّنا ... يا شهمُ نحملُ سحنةَ الإنسانِ
لكنْ إذا حدَّقتَ في قَسَمَاتِنا ... عربيَّةً في ثوبِ أمريكاني
إنّا غدوْنا كالنعامةِ ، رأسُها ... في الطينِ من خزيٍ و من خذلانِ
نجري وراء الغربِ نبغي منهجاً ... و أمامنا المِنهاجُ في القرآنِ
أخذوا الحضارةَ من معينِ كتابنا ... و نروم مجداً في حِمى الرومانِ
السُنَّةُ الغرّاءُ غصنٌ وارِفٌ ... و نريدُ ظِلَّ المنهجِ العَلْماني
أسيافُنا أضحت دُمَىً أثريّةً ... نُقِشَتْ بإتقانٍ على الجدرانِ
ظَمِئَتْ فما شرِبَتْ دماء عدوها ... جاعت فما مُدَّتْ يدٌ بحنانِ
من ليْ بسيفِ اْبنِ الوليدِ أضُمُّهُ ... و أجذُّ رأس مُخادعٍ شيطانِ
من لي بجيشِكَ يا (رشيدُ) و عزمِهِ ... لأَدكَّ حِصنَ مُخنَّثٍ و جبانِ
مَنْ لي برمحٍ سمهريٍّ شامخٍ ... من لي بسيفٍ مُصلَتٍ و حِصانِ
سأُعلّم اْبني ، رُبَّما من صُلبِهِ ... يأتي (صلاحُ) محطِّم الصُّلبانِ
سأعلمُ ابني أنْ يكونَ مُجاهِداً ... بالنفسِ ، لا بمشاعرِ و لسانِ
و أقولُ يا ولدي : أبوكَ و جيلُهُ ... عجزوا ، فخُذْ ثاراتِ جيلٍ فانِ
يا غزةَ الأحرارِ يا نبض الأُلى ... صبراً على ليلِ الطغاةِ الجاني
قتلتكِ إسرائيلُ ؟ ، لا بل ضعفُنا ... و كلاهما يا غزتي سيّانِ
النار تحرقُ و السكوتُ مدمِّرٌ ... عجباً لصمتٍ حارقٍ أعياني
عجباً لصاروخٍ يواجهُ زهرةً ... يا لاختلال العدلِ و الميزانِ
"باراكُ "يبني جيشَهُ و عتادَهُ ... و نغطُّ في نومٍ لذيذٍ هاني
هم من دمانا أبرياءُ ، و إننا ... صُنّاعُ إرهابٍ بكلِّ مكانِ
إن دُكَّ بُرجٌ، دُمِّرَتْ بغدادُنا ... أو مات هِرُّ جِيءَ بالغزاني
و إذا تعثَّرَ كلبُهُمْ في خَطوِهِ ... فالعُربُ و الإسلامُ مُتَّهَمانِ
خسِئوا ، فإنَّ دماءنا موتٌ لهم ... سيروْنَهُ يا "غزُّ " كلَّ أوانِ
و لسوف نأخذُ ثأرَ كلِّ مجاهِدٍ ... بذلَ الدماءَ لنُصرةِ الأوطانِ
يا غزة الشرفا دماؤكِ عِزَّةٌ ... فلتفخري يا دُرَّةَ التيجانِ
هذي الدماءُ الطاهراتُ عرفتها ... أزكى من النسرينِ و الريْحانِ
هذا الشهيد رأيتُ في إصراره ... شَغَفَ الأُباةِ لجنة الرضوانِ
فالرأسُ مُنتصبٌ كبندٍ شامخٍ ... رَكَزَتْهُ فوق الشامخاتِ يدانِ
و القلبُ يحتضنُ (السليبَ) ، و نبضُهُ ... سمِعتْهُ .. حين ترنَّمَ ..الثقلانِ
يا من عبرتِ بنا حدود خنوعنا ... و أضأْتِ قِنديلاً بكلِّ جَنانِ
و زرعتِ في كلِّ القلوبِ محبَّةً ... و غرستِ فيها من عظيمِ معانِ
علّمتِنا أن الشهادةَ مطلبٌ ... ليست تُنالُ براحةٍ و أماني
و بأنّ من رام الخلودَ مضى لهُ ... مُتوثِّباً بعزيمةِ الشجعانِ
فلتهنأي بالنصر حان قطافُهُ ... و الليل لن يبقى على الأحزانِ
لا يوجد تعليقات حالياً