كلمات

klmat.com

رسائل – أحلام مستغانمي


إلى الفدائي الذي منحني كلّ الأسماء...

إلا إسمه

من أين عاد وجهك إليّ هذا المساء؟

كيف أطلّ وسط هذا الحزن الخريفي

أكتب إليك وخلف شباكي تبكي السماء. وفي ذاكرتي صور كثيرة لنا في

كل المواسم.

تصوّرت قبل اليوم أنني قد أستقبل الفصول معك.

يبدو أنني سأظلّ أستقبلها وحدي.

لا زلت أجوب شوارع التاريخ

أبحث عن وجهي الضائع الملامح في وجوه السواح والغرباء

في وجوه الثوار والزعماء.

ذاكرتي عشرات الرجال من كل قارات العالم.

جسدي لم تبق عليه مساحة صغيرة لم تتمرغ عليها شفاه رجل.

تغرّبت بعدك كثيراً

في غربتي الكبرى يحدث أن أجمع أحزاني على كفيك وانتظر المعجزة.

يحدث أن أسرق منك قبلة وأنا أسير في المدن البعيدة مع غيرك.

يحدث أن أتسلل معك نحو عنب الخليل.. أن أزحف معك على الأرض الطيبة.

وأسقط إلى جوارك متعبة.

أيمكن لقلبك أن يحملني عندما يجب أن يخف الحمل

أيمكن أن نحقق هناك كل الأحلام التي لم تكتمل؟

كم كنت حزينة بعدك

ولكن صورتك وحدها سافرت وعادت معي

صورتك وحدها نامت معي في فنادق العالم

وشفتاك وحدهما اللتان أرتعش لهما جسدي

ذات مرة أتاني صوتك من بعيد

كنت سائحة غريبة في بلد غريب

حاولت أن أراك كما أردتك أن تكون

وكانت سماء حيفا ماطرة.. ولم أكن هناك

فحسدتك.

أيلول 1973

كبر الحزن أيها الرفيق

في هذه المدينة لا يأتي الصيف أبداً

الرياح لا تفارق السماء

وأنا متعبة

عندما تغلق كل الأبواب

أرتدي أحلى فساتيني وأجلس لأكتب إليك

أيلول 1973

تتحدث اليوم آخر الأخبار عن الكيلومتر 101

يتحدّثون طويلاً عن رقم لم يكن في ذاكرة الشهداء

لأن الماء يغلي في درجة المئة وأنا أصبحت أغلي بدرجة المئة وواحد.

سأخلع أحلى فساتيني وأكتب إليك عارية

سعداء أولئك الذين ماتوا وهم يعتقدون أنهم تجاوزوا المئة وواحد ومنحونا

رقماً مطلقاً

سأكتب شيئاً عظيماً هذا المساء

ظروفي تساعد على الجنون

أكتوبر 1973

لا زلت أشتري الجريدة كل صباح بحكم العادة

لا زالت القاهرة تتردّد وبغداد ترفض ودمشق تقاوم وعمّان تتفرّج

وبيروت ترقص

ولا زلت أكتب إليك عارية

أكتوبر 1973

هذا المساء وأنا أغادر الجامعة، جرّتني مظاهرة طلابية إلى شارع

العربي بن مهيدي.

كنت في حاجة إلى أن أصرخ.. حتى يغمى عليّ

تذكرت أحد الأحلام، تمنيت لو نزل لحظتها مئة مليون عربي إلى

الشوارع، لو زحف ملاين الشباب نحو كراسي الخونة.

لو أنّ القصور العربيّة نُسفت في لحظة واحدة

لو أن التاريخ بدأ من شارع الشهداء

لو مثلهم قلنا (لا)

ولكن.. كنت فقط أهتف مع الشباب

(بالروح .. بالدم.. حنكمل المشوار)

وكنت أبكي

أكتوبر

يخال لي أن الحرب انتهت

رغم أن عناوين الجرائد لا تزال تحافظ على حجمها الكبير

ولونها الأحمر

أنا لا أنتظر شيئاً على الاطلاق

نوفمبر

أصبح الآن مؤكداً أن الحرب انتهت

لقد تبادلنا الأسرى والموتى والفرح والتعازي والشتائم

والشعارات والتهم..

وكثرت الأوسمة على الصدور

ديسمبر

أسأل نفسي هذا الصباح أين يمكن أن تكون..

كلما تذكرت آخر لقاء لنا شعرت بالخوف عليك

أعيد قراءة رسالتك الوحيدة

أتوقف عند الجملة الأولى (أنت مفاجأة جميلة، شعرك الأسود بقدر حقدي

التاريخي يشكّل هالة قدسيّة على ملامحك الأبديّة).

ربما كان هذا أجمل ما قلت لي

وبعدها .. لا شيء

قلت انك تدمن احتساء الصمت والدخان والنبيذ

فهمت أنّك قد لا تكتب إليّ بعد الآن من الجزائر

آخر مرة التقينا فيها كانت رأس السنة الماضية

جلسنا في مقهى نتحدّث عن الحب.. والحرب والزواج..

كنت أحبّك.. وكنت حزينة ككل بداية سنة

تمنيت لو انتميت إليك

كان عمري عشرين سنة

خفت ألا أنتمي لشيء بعدك

كنت تمثل عندي قمة الرفض والثورة، وكان يمكن أن تكون بداية شيء

رائع في حياتي

ولكن خرجنا

كنت تقول: "أنا أيضاً.. أشعر هنا أنني لا أنتمي لشيء لهذا يجب أن

أرحل".

سألتك:

أيّ الفترات كنت فيها أكثر سعادة؟

قلت:

عندما كنت أحمل شيئاً آخر غير الجرائد..

وماذا صنعت؟

حاولت أن أهب هوية للأطفال الذين ولدوا غرباء عن العالم.

وخرجنا.

التقينا بصديق أخبرنا أنّ أحدهم قد انتحر بالأمس.

عمّ الصمت.

كان المنتحر رسّاماً مغربياً حاول أن يوقّع على لوحة حياته توقيعاً حزيناً،

فانتحر.

كان طيباً.

ما كانت له من هواية عدا التنفّس.

كانوا يعرفون خطورة التنفس عندما يبدأ هواية ويتحول فجأة إلى مبدأ.

كانوا يعرفون ذلك، فألقوا بالغازات السامة، ملأوا بها سماء البلد الطيب

وهاجر الفنان يبحث عن أوكسجين.

جاءنا.. ولكنه ما استطاع الحياة بعيداً عن السماء الأولى.

فقد اكتشف فجأة أنه نسي رئتيه هناك

فانتحر.

كان الناس يمرون أمامي مسرعين

بعضهم يجوب الشوارع بلا هدف. وكنت أسير بينهم.

أبحث في ملامحهم عن شيء، ربما عن ملامح الشاب المغربي.

تساءلت وأنا أراهم: أيستحق هؤلاء أن يموت أحد من أجل قضاياهم؟

مات الفنان (فتاة ببنطلون ضيّق تنتظر قادماً لا يأتي)

أحقاً مات (عجوز تسأل بائع الخضر.. إذا كانت أزمة البصل قد

حلّت).

قلت ذلك لصديق، فأجابني: يجب أن نحلّ قضايا الجماهير أولاً. أن

نجعلها تشبع، تحتمي بسقف، وتلبس، وتحلم. وعندها فقط يصبح بإمكانها

أن تفكر في القضايا الكبرى.

لا يمكن أن تسألي إنساناً يكاد يغطيه الطوفان:

لماذا لا يحتمي بمظلّة عند سقوط المطر؟ لنخرجه أولاً من الطوفان

عدت إلى الجامعة وأنا أحاول أن أتخيّل كميّة المياه الهائلة التي تغرقنا

يومياً.

قلت لي قبل أن نفترق "اليوم أصبح كل أصدقائي بين شهداء ومساجين

ومنتحرين، وحدي رفضتني السجون وكلما كان لي موعد مع الموت لم

يحضر".

سألتني فجأة..

أتحبين الموت؟

قلت:

لا أعتقد.. لكنني لا أخافه

علّقتَ:

لن تكوني فدائية حتى تحبينه

وافترقنا.

مرّ عام على ذلك اللقاء. ذلك الفراق.

ولا زلت أسأل عنك الرفاق. ربما لأقول لك فقط، أنني بدأت أحبّه.

لا زالت صديقاتي في الجامعة يسألنني عنك

قلت لاحداهن، أنك فدائي ولم تحضر إلى الجزائر كي تقيم بيننا.

ضحكت، لأنّها لم تتصوّر فدائياً في وسامتك. ربّما لم تصدقني.

أظنّها تأثّرت بـ (جمهورية) أفلاطون.. فهي ترى أنّ الحرب خلقت

لتخلّص البشرية من القبيحين والمرضى وضعاف البنيّة.

نجحت في إقناعها بأنّ شي غيفارا أيضاً كان وسيماً، وأنّه لو عمل في

السينما لحطم أسطورة عمر الشريف.

وأنّ ليلى خالد لم تكن أقلّ جاذبية من جورجينا رزق.

ولكنها قامت بثلاث عمليّات لتشويه وجهها، كي تتمكن من مواصلة

مهمتا، أي شجاعة هذه.. لا أذكر أن امرأة عبر التاريخ شوّهت وجهها

قصداً، كي تخدم قضيّة. لا جان دارك ولا جميلة ولا أنجيلا، غير أنني

أذكر مبالغ خيالية كانت تدفعها ماري أنطوانيت من أجل ثوب سهرة

جديد. وأرقاماً أكثر جنوناً تدفعها مدام أوناسيس أرملة كينيدي سابقاً

وأرملة أوناسيس حديثاً كي تظل أنيقة وتبقى بشرتها ناعمة ويبدو فمها

أقل إتساعاً. ومبالغ أخرى لا تقل جنوناً تدفعها أميرات عربيات وزوجات

حكّام من أجل حفنة لؤلؤ نادر أو قارورة عطرٍ فريد.

ألا ترى أنّه أصبح ضروري أن أحبّ الموت

التعليقات (0)

لا يوجد تعليقات حالياً

أضف تعليق

كلمات قسم أحلام مستغانمي

بطاقة عادية في يوم غير عادي – أحلام مستغانمي

اشتقت إليك تدفعني أفراح الآخرين إليك اليوم صباح عيد، وأنا أصبحت أخاف الفرح لأننا نصبح أنانين عندما نفرح يجب أن أحزن قليلاً كي أظلّ معك ثم إنّ الفرح لا يلهمني وأنا أريد أن أكتب شيئاً على ورق مدرسي أكره أن أترك كلماتي...

كلمات غير موزونة لأرض أفقدتنا الإتزان – أحلام مستغانمي

المذكّرة الأولى: إنفجري يا خارطة العالم المنهار انفسي التضاريس الملكيّة، وحطّمي كراسي الكارتون المستورد افتحي أبواب المحتشدات والسجون دعي الجموع الجائعة تشبع ودعي الفقراء يملأون جيوبهم شمساً ابعدي العملاء عن مسيرة المتمردين فأقدام الأقزام لم تخلق لتواكب الثوّار طويلة ليالي هذه المواسم...

من أجل هوية – أحلام مستغانمي

إنهم في فرنسا لا ليتفرجوا على عظمة (برج ايفل) ولا ليكونوا أقرب إلى مدينة العطور واللوحات النادرة يوم جاؤوا فرنسا كانت جبال (الاوراس) أعلى من (برج ايفل) كانت رائحة الدم أقوى من عطور (روشا) و (كريستيان ديور) كانت حياتهم لا تساوي لوحة...

سؤال في حدود الذاكرة – أحلام مستغانمي

أسألكِ.. هل أنتِ راهبة؟ أم أنتِ عاهرة؟ أانتِ امرأة من نار؟ أم أنثى من ثلج؟ أنت عيون (السا)، وسمرة (انجللا)، وتسريحة (كليوبترا)، وصمود (جميلة)، وتبرّج (ولادة)، وعفة (رابعة) وتمرّد (الكترا)، وصبر (بينيلوب)، وغموض (الجوكوندا).. أنت كل نساء العالم ولكنك لست امرأة أنتِ...

عيد سعيد أيتها الأرض – أحلام مستغانمي

اليوم أول نوفمبر 73 هذا الصباح خمسة عشر ثائراً سقطوا في مدينة عربية.. رمياً بالرصاص افتحي مقابرك أيتها الأرض الطيبة أيتها الأرض المغمورة أيتها الأرض المباركة أيتها الأرض الملعونة افتحي، فغداً ليلة القدر سأدفنهم في كل مدنك الكبرى في كل مقابرك الكبرى...

دعوة إلى التصفيق – أحلام مستغانمي

صديقي في السيارة الرسميّة راجلة أقطع هذا الشارع.. بين الطرق والرصيف خطوة وضوء بين الرصيف والرصيف عشرة مسامير … صديقي يملك الطريق لكنني أملك رخصة التسكع اليومي والجلوس في الحدائق … أبحث عن عمل مؤهلات الموت والجنون لا تفيد بين الذي أرادوا...

دفاعاً عن العادة – أحلام مستغانمي

أيها الوطن الكبير.. يا وجعنا الموروث. “لا تطرق الباب كل هذا الطرق، فلم أعد هنا” … يوم كتبت أحبك.. قالوا شاعرة تعريت لأحبك.. قالوا عاهرة تركتك لأقنعهم.. قالوا منافقة عدت إليك.. قالوا جبانة اليوم نسيت أنك موجود وبدأت أكتب لنفسي وأتعرّى للمرآة...

قبل أن يسقط الرمز – أحلام مستغانمي

تصوّرت وأنا أطأ تلك الأرض العربية.. للمرة الثانية. أنني تركت أفكاري المضادة عند الجمارك. وكآلاف السواح سآخذ حمام شمس، وأحتسي كثيراً من الشاي وأعود بحقائب مملوءة عباءات. ولكنني وجدت نفسي كالمرة الأولى، عاجزة عن أن أكون مجرد سائحة. خاصة وأنني في هذه...

كلمات مختارة

قبلت التحدي – حمزة نمرة & رامي جمال

لسه في الأيام بقيه لسه في الأحلام كمالة اني أخسر مش قضية بس اسلم استحالة الحياة رايحة وجاية يعني مش مستقصداني حتى لو هزعل شوية بكرة تضحك ليا تاني كل حاجة ضايعة راجعة كل جرح وليه نهاية النهاردة نبكي دمعة بكرة نفرح...

الله كبير – نوال الزغبي

الله كبير .. بياخد حقي منك ظلم كتير .. بكرا رح يرجعلك عيش وحس .. بنشوة انتصارك واستقوي ع قلب .. كان يحبك انا مش قلقانه ع حالي.. ولا زعلانه عالغرام انا مصدومه ب حدا متلك .. عندو حالة إنفصام رخصت المشاعر...

تذكر من أنا – شيما هلالي

تذكر من أنا .. أنا حبيبك المنسي تذكرني أنا .. تذكر صوتي وهمسي ومهما تحاول النسيان .. أنا أعرفك مثل نفسي وأنا اللي صرت لك كل شي فـي ليلك ضيّ .. فـي صيفك فـيّ وأنا اللي ما بخلت بشي تذكر من أنا...

بكيتني يا ليل – ناصيف زيتون

بكّيتني يا ليل جبتا بمنامي ليش ‏‎والحيل ما في حيل والآه بيّا تعيش ‏‎هذا ال كنت ناسيه هرّت وراقا الصفر ‏‎حلمي جمعني بيه رجعتني من الصفر يمّا الحصل يمّا صحيت وردت ضمّا ‏‎واتذكّرت ناسي معي شال وقمت شمّا‏‎ ‏‎ أنا عغيابا قتيل...

شفت غيرك – ياسر عبدالوهاب

شفت غيرك… من شفت حبي الك مافاد وياك من عرفتك مو وفي وتستاهل انساك اني مو ميــــل ووره ارقامك ادور اني انسان والي احساس وشعور صرت ماضي وما الك بأيامي دورر هيه هيه هيه جروحي هيه هيه ماتغير كلشي بيه كلشي بيه...

في يومي – نداء شرارة

فـ يومي انت وفـ همومي وذوقك حتى في هدومي أنا وانت ما بينا حاجات ما يفهمهاش إلا احنا ما تيجي يا صاحبي نتمشى ونفصل حبه من الدوشه واحشني هزارنا والحكايات وقعدة تفك على روحنا لو حتى عني بعيد وما فيش مواعيد بتجمع...

يمكحله – سيف نبيل

يمكحله يمحجله يلديرم الشفه عسل عطرچ اذا شمه الورد داخ بحالته وخجل ويحبيبه عينچ هايه هم عدها ثار ويايه من نضره دون حجايه كتلتني كتل يبنيه هيده بمشيچ يمحليه كل بيت اهلچ لچ حتى لمعة شعرچ كتلتني كتل وكون اصير گالده والرگبه...

مرتاح كده – رامي جمال

ميهمنيش إزاي تعيش تنساني ولا متنسانيش عن نفسي أنا نسيتك بقى ومرتاح كده مش سيبتني ومشيت زمان دلوقتي مبقاش ليك مكان ليه عايزني أوقفلك حياتي أنا كل ده ده ماهزنيش البعد ولا فارق معايا ومسبتليش ولا حاجة أنا تفكرني بيك خلص كلامك...

Powered By Verpex

Powered By Verpex