حين زارني طيف أمي – جمال مرسي
أيا طيفَ أُمِّي ، جُلْ بذهني وخاطري ... فَجَدِّدْ شبابَ العُمرِ وابعثْ مشاعري
أتوقُ إلى الصدرِ الحنونِ يضُمُّني ... طويلاً ، فهل يا طيفُ أنت بزائري ؟
مضى من سنين الدمعِ عمرٌ ، ولم يزلْ ... فؤادي بِهِ يسخو ، و إنْ لم يُجاهِرِ
لَهُ كاضطرابِ البحرِ موجٌ مشابِهٌ ... و في الجودِ و الإغداقِ سحرُ المواطِرِ
و في قوْلةِ الحقِّ المبينِ لهُ العُلا ... فلم يخشَ يا أُمَّاهُ بطشَةَ جائِرِ
و لي في فؤادي يا حياتي شمائلٌ ... أغُضُّ بها عن حُرمةِ اللهِ ناظري
و لي فيهِ إحساسٌ يجيشُ صبابةً ... و أزهارُ بستانٍ ، و رِقَّةُ شاعرِ
ولي قلبُ مُشتاقٍ يذوبُ ويكتوي ... عفيفٌ فلم يخضعْ لفُحشٍ و فاجِرِ
قويٌّ على كلِّ الخطوبِ مُثابرٌ ... و ليسَ على خطبِ الفراقِ بصابرِ
فيا طيفَ أُمِّي عُدْ فإنِّي و وحدتي ... سهرنا ، و في الأعماقِ لوعةُ حائِرِ
نَعُدُّ ثوانينا و نرنو لغفوةٍ ... يعودُ بها الحُلْمُ القديمُ لحاضري
فإنِّي بلا حُلْمٍ كنجمٍ بلا فضا ... و إنِّي بلا حُبٍّ كصخرِ المحاجِرِ
و يا وجهَ أمِّي دعْ يدي تلمسُ الذُّرا ... و تسعى إلي العلياءِ سعياً كطائرِ
و دعني أيا نورَ الصباحِ بوجهِها ... أضيئُ الدياجي ، بل و أجلو بصائري
و زدْني إلى ما شاءَ ربِّي مغانماً ... من الطهرِ و الأخلاقِ زاد المسافِرِ
فإنِّي بأخلاقي على الخلقِ سائِدٌ ... و ما سُدْتُهُمْ بالمالِ أو بالجواهِرِ
تعلَّمْتُ حُسْنَ الظنِّ منكَ و فطنتي ... فما كُنتُ خوّاناً ، و لستُ بغادِرِ
و لكنْ ذئابُ الليلِ غرْثى ، تربَّصَتْ ... بلحمي و أعصابي إذا لم أُحاذِرِ
و من لم يكُنْ مثلي يذودُ بمخلبٍ ... قويٍّ ، فما يُغنيهِ طولُ الأظافِرِ
و منْ لم يكُنْ في الحقِّ صوْتاً مُدَوِّياً ... تأذّى بأصواتٍ لأوهى الحناجِرِ
و أحرى بمن كان البيانُ خصيمَهُ ... عزوفٌ عن الفتوى و هجرُ المنابِرِ
فيا طيفَ أمي عُدْ كما كُنْتَ ناضراً ... و لا تنزَعِجْ ممّا رأيتَ بحاضري
فهذا هو القرنُ الجديدُ و عالمٌ ... يتيهُ بأسيافِ الهمومِ البواتِرِ
حروبٌ لها الإنسانُ طُعمٌ و مِشعَلٌ ... و نارٌ إذا ما أُضْرِمَتْ لم تُغادِرِ
و ظُلمٌ يشيبُ الرأسُ منهُ و ينحني ... يذوقُ بِهِ الإنسانُ جامَ الفواقِرِ
و جوعٌ أحالَ الطفلَ جِلْداً و أعظُماً ... تداعت ، فأين العدلُ ، قُلْ يا مُناظِري
و هذا يهوديٌّ يعيثُ بظُلْمِهِ ... فساداً ، وساحُ القُدسِ ناءَتْ بفاجِرِ
و قومي ، بنو الإسلامِ صارت سيوفُهُمْ ... رموزاً على الحيطانِ ، طيَّ الدفاتِرِ
لهذا أنا يا طيفَ أُمِّي بأدمعي ... حزينٌ ، وهَمِّي فاقَ كلَّ خواطِري
فإن زُرْتَني ، شرَّفْتَ يا خيرَ زائِرٍ ... أتى بالشذا والعطرِ من خيرِ زائِرِ
و إن تهجرِ الأحلامَ عفواً ، فإنني ... على العهدِ ، لن أنسى وإن كُنتَ هاجِري
فكُن لي وربِّ البيتِ عوْناً بغُربتي ... و كُن بعدَ ربِّ البيتِ حِصني و ناصري
لا يوجد تعليقات حالياً