يوم الشهيد – محمد مهدي الجواهري

يومَ الشَهيد : تحيةٌ وسلامُ … بك والنضالِ تؤرَّخُ الأعوام

بك والضحايا الغُرِّ يزهو شامخاً … علمُ الحساب ، وتفخر الأرقام

بك والذي ضمَّ الثرى من طيبِهم … تتعطَّرُ الارَضونَ والأيام

بك يُبعَث ” الجيلُ ” المحتَّمُ بعثُه … وبك ” القيامةُ ” للطُغاة تُقام

وبك العُتاة سيُحشَرون ، وجوهُهُم … سودٌ ، وحَشْوُ أُنوفهم إرغام

صفاً إلى صفٍّ طغاماً لم تذُقْ … ما يجرَعون من الهَوان طَغام

ويُحاصَرون فلا ” وراءُ ” يحتوي … ذَنباً ، ولا شُرطاً يحوز ” امام”

وسيسألون مَن الذين تسخَّروا … هذي الجموعَ كأنها أنعام

ومَن استُبيح على يَديهم حقُّها … هدراً ، وديست حرمةٌ وذِمام

ومَن الذين عَدَوا عليه فشوَّهوا … وجهَ الحياة فكدَّروا وأَغاموا

خَلَصَ النعيمُ لهم فهم من رقةٍ … وغضارةٍ بيضُ الوجوه وِسام

وصفا لهم فلَكُ الصِبا فتلألؤا … فيه كما تَتَلألأ الأجرام

يتدلَّلون على الزمان كما اشتَهت … شهواتُها قُبُّ البطون وِحام

ومَداس أرجلهم ونَهْبُ نِعالهم … شَعبٌ مهيضُ الجانِحين مُضام

يُمسي ويُصبح يستظلُّ بِخِدنه … بَقَر الزَريب، ويرتَعي ويَنام

سيُحاسَبون ، فان عَرتْهم سَكْتَةٌ … من خيفةٍ فستنطِقُ الآثام

سيُنكِّسُ المتذبذبون رقابَهم … حتى كأنّ رؤوسَهم أقدام

يومَ الشهيد وما الخيالُ بسادر … بئسَ الخيالُ تقودُه الأوهام

الشعر – يا يومَ الشهِيد – تجارِبٌ … وبلاؤُها ، لا لؤلؤٌ ونِظام

كَذِباً يُخيَّل أن بارقة المُنى … تنجابُ منها وحشةٌ وظَلام

أو أنَّ بالنَّزْر اليسير من الدما … سيُبَلُّ من عطَش الطُغاة أُوام

أو أنَّ مَتعوباً ستَسْعى نحوه … عما قريبٍ راحةٌ وجِمام

حُسبانُ ذلك للشهيد خِيانةٌ … وِلما تفَجّرَ من دمٍ إجرام

ولَتلك مَدعاة سيُنصَرُ عندها … عارُ النُكوص ويُخذَلُ الإِقدام

ولَذاك إِيهام يضلِّلُ أُمةً … وسلاحُ كل مضلِّلٍ إيهام

عَظُمت محاولةٌ وجَلَّ مرامُ … أفباليَسير من العَناء تُرام

يومَ الشهيد طريقُ كل مناضلٍ … وَعرٌ ، ولا نُصُبٌ ولا اعلام

في كل مُنعَطَفٍ تَلوحُ بلية … وبكُلِّ مُفتَرقٍ يدِبُّ حِمام

وحياضُ مَوت تلتقى جَنَباتُها … وعلى الحياضِ من الوُفود زِحام

وقِباحُ أشباح لمُرتَعِدي الحَشَا … بَرمٌ بها ، ولمُحرِبين هُيام

بك بعد مُحتَدِمِ النضالِ سينجَلي … مما ابتدأتَ من النِضالِ ختام

سيُجازُ شَهرٌ بالعَناء وآخَرٌ … ويُخاضُ عامٌ بالدماء وعام

ستطيرُ في أفقِ الكفاح سَواعدٌ … وتَطيحُ في سُوح الكرامة هام

ستَشور من رَهَج اللُهاث عجاجةٌ … ويَهُبُّ من وَهَجِ الشَّكاة قَتام

سيُعالَجُ الباغي بنَضْحٍ من دَمٍ … حتى تُسَكَّنَ شَهوةٌ وعُرام

لابُدَّ من نارٍ يروح وَقودُها … منّا ومنه غارِبٌ وسَنام

وتُنير منها الخابطينَ دُروبَهم … من بعدِ ذلك جذوةٌ وضِرام

اذ ذاك يًُصبحُ بعد طُول مَتاهةٍ … بيد الشُعوب مقادةٌ وزِمام

تبّاً لدولةِ عاجزينَ تَوهَّموا … أن ” الحكومةَ ” بالسِياط تُدام

والوَيْلُ للماضينَ في أحلامِهم … إن فرَّ عن ” حُلمٍ ” يَروع منَام

وإذا تفجَّرَت الصدورُ بغيظها … حَنَقاً كما تتفجّر الألغام

وإذا بهم عَصْفاً أكيلاً يرتمي … وإذا بما ركنوا إليه رُكام

وإذا بما جَمَعَ الغُواةُ خُشارةٌ … ” وإذا عصارةُ كلِّ ذاك أثام “

يومَ الشهيدِ لَسوف تُعقِبُ في غدٍ … يوماً تَحارُ بكُنهه الأَفهام

ولسوف نَجهل ما يِقلُّ بصلبه … قَدَرٌ ، وما تَتَمخَّضُ الأيّام

ولسوفَ يُصبحُ ما نحارُ بكُنْهه … إن حانَ حِينٌ واستتم تمام

امراً كما قالَ البديهةَ قائلٌ : … ” النورُ نورٌ والظَلامُ ظلام “

اني لَيخنُقُني الأسَى ويهُّزُّني … ما لاحَ طفلٌ يحتَبي وغُلام

علماً بأن دِماءَهم ليست لهم … وبأنها للجائعينَ طَعام

للناس بعد اليَومِ مِيلادُ الفَتى … ومَماتُه ، ورَضاعةٌ وفِطام

يوم الشهيد بكل جارحةٍ مشَى … داءٌ تَعاوَرَه الزمان عُقام

تَعِبَ الأساةُ به ، وجافَى أهلَه … يأساً نِطاسيٌّ به عَلاّم

وتَعَسَّر الابلالُ حتى تَنتَفى … منه الجذورُ ، وتُقطَعَ الأَجذام

يوم الشهيد بك النُّفوس تفتَّحت … وَعياً ، كما تَتَفَتَّحُ الأكمام

كادَ الضعيف يشُكُّ في إيمانه … والصبرُ كاد يَشَلُّه استسلام

طاح البلاءُ بخائرٍ في مَعرَكٍ … أشِبٍ تطيشُ بهَوله الأحلام

وانجاب عن مترددينَ طِلاؤُهم … وانزاحَ عن متربصِّينَ لِثام

وأعضَّ قوم بالسكوت ، وأفصَحَتْ … عن غير ما عُرِفَت به أقوام

وتمسكَّ المتثبِّتون بجاحمٍ … جَمَراتُه تُشوى بها الأقدام

وتراكم الصبرُ الجميلُ بساحة … من حولها تتراكمُ الآلام

شعب يُجاعُ وتُستَدرُّ ضروعُه … ولقد تُمارُ لتُحلَبَ الأغنام

وأُمِدَّ للمستهترين عنانُهم … في المُخزِيات فأرْتَعوا وأساموا

وَتَعَطَّلَ الدستورُ عن أحكامه … من فَرطِ ما ألوَى به الحُكَام

فالوعيُ بَغىٌ ، والتحرُّرُ سُبَّةٌ … والهَمْسُ جُرْمٌ ، والكلامُ حَرام

ومُدافِعٌ عما يَدينُ مُخرِّبٌ … ومطالِبٌ بحقوقِه هدّام

ومشَى بأصلاب الجُموع يَهُزُّها … الجَهَلُ والإِدقاعُ والأسقام

وهَوَت كرامتٌ تولَّت أمرها … خِططٌ ، تولَّى امَرها إحكام

فكرامةٌ يُهزَى بها ، وكرامةٌ … يُرثى لها ، وكرامةٌ تُستام

وانصاعَ يغزُو اهلَه وديارَه … جيشٌ من المتعطلِّين لُهام

وتَصافَقَت حُجَزٌ على مُتحرِّرٍ … ومفكرٍ فتحطَّمت أقلام

ولكلِّ مُحتَطِبِ الخنا مَداحةٌ … ولكل مُمتدِح النثا شَتّام

ومعاتَبٍ والسَوط يُلهب ظهرهُ … ومعذَّبٍ بجراحه ويُلام

مما أشاعَ البَغيُ من إرهابه … فيها استُطيبَ الخَوفُ والإِحجام

ومطارَدون تعجَّلوا أيّامَهم … ومشرَّدون من المذلّةِ هاموا

ومشكِّكون وقد تعاصَت محنةٌ … صَلُّوا على شَرفِ الخلاص وصاموا

ولقد تَر تَرْقَ في العُيون تساؤلُ … وعلى الشِفاه تحيَّر استِفهام

أعفا القَطينُ فما به مُتَنَفَّسٌ … وَخلا العَرينُ فما به ضِرغام؟

أفوعدُ مُرتقِبِ ” القيامةِ ” خُلَّبٌ … وبريقُ منتظِر ” النُشور ” جَهام ؟

أو يكثُرُ الأبطالُ حين سِلاحُهم … بين الجْموع قَصيدةٌ وكَلام؟

فاذا اسحترَّ الخطبُ واحتَدمَ الأذى … ذابوا ، فلا بطلٌ ولا مِقدم

أفلا تكون مغارةٌ ؟ أو ما انتَهى … ما قَعْقَعَ الإِسراجُ والإِلجام؟

أعلى ضمير المخلصينَ غِشاوة … وعلى فَم المتحرِّرين لجام؟

حتى إذا قَذفَ الحمى بحُماتِه … ورَمَت بأشبالٍ لها الآجام

وتنافَسَ ” الفادون” لم يتمنَّنوا … فضلاً ، ولم يُبطرْهُمُ الانعام

وجدوا عتاباً للبلاد فأعتَبوا … وملامةً لشبابها ” فألاموا “

ومَشوا إليها يدعَمون صفوفَها … بصُدورهم ، اذ عزَّهن دِعام

حَمَلوا الرصاص عَلى الصدور وأوغلوا … فعلى الصدور من الدِماء وِسام

تابَ الغَويُّ وثاب كل مشكِّكٍ … إنَّ الحمى من فوقه قَوّام

نَكِروا النفوسَ وفجَّروا اعراقَها … صَمْتاً ، فلا صَخَبٌ ، ولا إرزام

وأبَوا سِجامَ الدمع شيمةَ نائحٍ … فلهم دماءٌ يغتلينَ سِجام

ناموا وقد صانُوا الحمى ومعاشِرٌ … تَركوا الحِمى للطارئات وناموا

يومَ الشهيد : وكلُّ يوم قادمٌ … ستُريهِ كيف الجودُ والاكرام

دالَ الزمانُ وبُدلتْ نُظُمٌ به … ولكل عصرٍ دولةٌ ونِظام

ومَضَى الحُداةُ ” بحاتِمٍ ” وبرهَطِه … وتبدَّلَت لمكارِمٍ أحكام

فهُمُ وقد حَلَبوا الصَريحَ أماجدٌ … وهُمُ وقد عقَروا الجَزور كرام

وهمُ لأنَّ الضيفَ ينزِلُ ساحَهم … للفقر في ساحاتِهم إلمام

وأتى زَمانٌ من مكارِمِ أهلِه … السَجْنُ ، والتشريدُ ، والإِعدام

والسَوط يحترِشُ الظهورَ ووقعُه … في سَمع محترِسٍ به أنغام

وكأنَّه ” للمستغيث” إغاثةٌ … وكأنَّه ” للجائعين ” إدام

جيل يرى أنَّ الضيافَة والقِرى … للطارئات الصبرُ والآلام

يَقرونَ جائعةَ البلاد نفوسَهم … فلها لحومٌ منهُمُ وعظام

ويُرونَ ضيفَهُمُ الكرامةَ تُزدَرى … والحقَّ يُغصَب ، والديارَ تُضام

يتقامَرون على المنايا بينَهم … حُمْراً ، فلا الأيسارُ والأزلام

لاهُمَّ عفَوكَ ، لا الشجونُ قليلةٌ … عندي ، ولا أنا أخرسٌ تَمتام

قلبٌ يذوبُ أسىً ، وشعرٌ كلُّه … ضَرَمٌ ، وبيتٌ كلُّه آلام

أخنَى بوحشتِه على جيرانِه … وهَفَا به ، رعباً ، فطارَ حَمام

ويكادُ يشهَق بالعَويل بَلاطُه … ويَصيحُ بالألم الدفينِ رُخام

ودمٌ أريق على يَدَيَّ يهُزني … هَزَّ الذَبيح وقد عَلاه حُسام

وخبيئةٌ في الصدرِ نَفثُ دُخانها … حَرَجٌ ، وكَبْتُ أُوارها إيلام

لاهُم ْ ما قَدْرُ البيان إذا انزوى … عنه الضميرُ ، وعَقَّه الإِلهام

وإذا استَوَى فيه الثَّكولُ وغيرُهُ … والساهرونَ الليلَ والنُّوام

أكبرت شعري أنْ تُهينَ كريمَهُ … غُفْلٌ تضيق بها الرُّعاةُ سَوام

او عائشونَ على الهوامشِ مثلَما … يَنفي فُضولَ الصورةِ الرِسّام

والممتلونَ كأنَّهم كلُّ الدُّنى … والفارِغونَ كأنَّهم أصنام

والصادِعونَ بما يَرى مُستعمِرٌ … فهُمُ متى يأمرْهُمُ خُدّام

والمُولَعونَ بفاجراتِ مطامعٍ … فلهمْ قُعُودٌ عندَها وقِيام

ماذا يحطِّمُ شاعرٌ من صاغِرٍ … أخنى الهوانُ عليه فهو حُطام

لكنْ بمختلطينَ في نيِّاتهم … شُبُهاً ، فلا وَضَحٌ ولا إبهام

من كل هاوٍ بُرجُه وكأنَّة … قَمَرٌ على كَبِدِ السَماءِ تَمام

يؤذيهِ أنَّ الشمس تطلُعُ فوقَه … او لا يظلِّلَ وَجْنَتَيهِ غَمام

الليلُ عندَهمُ التَعِلَّةُ والمُنى … فاذا استطالَ فسَكرةٌ ومُدام

واذا النهارُ بدا فكلُّ حديثِهِمْ … عنه بكيفَ تفسَّرُ الأحلام

حتى إذا حَميَتْ وغىً وأدارها … كأساً ” إياسٌ ” مرةً و ” عِصام “

وتلقَّفَتهمْ كالرَّحى أشداقُها … مَضْغاً هُمامٌ يَقتضيه هُمام

زَحَموا الصُّفوفَ ” مشَيَّعين ” كأنَّهم … بين المواكبِ قادةٌ أعلام

ومَشَوا على جثَثِ الضَّحايا مثلَما … يمشي بمقتنص النَّعَامِ نَعام

ثم استدارُوا ينفُخون بطُونَهم … نَفْخَ الطُّبول ، وأقعدوا وأقاموا

يومَ الشهيد : وما تزال كعهدِها … هُوجٌ تدنِّسُ أُمةً ولئام

قَصَروا عن العليا فلم يتناوَشوا … ما احتازَ منها فارعونَ جِسام

وتقطَّعتْ بالمَكْرُمات حِبالُهم … وبما ابْتَنتْ هِممٌ فهُنَّ رِمام

وعناهُمُ أخذُ الكِرامِ عِنانَها … من بعد ما داروا عليه وحاموا

وتجاهَلوا أنْ ليس تربُ مسامحٍ … بدمائه نَهّازةٌ غَنّام

وبأنَّ أُمّاتِ المآثرِ برزَةٌ … عملاقة ، وبأنهمْ ، أقزام

فهُمُ وقد ذَكَتِ الحزازةُ عندهم … ” كوب ” من الحقد الدفين وجام

يُسْقَونَ جذوتَها وفيما يجتلي … تِربُ النّدي لأُوارِها إضرام

حتى إذا ألقى الكريمُ بوجهه … فتمايَزَ الإشراقُ والإِظلام

وتَضَوَّرتْ جُوعاً فلم تَرَ عنده … ما تأكُّلُ الأوغارُ والأوغام

ومشى الفَعال لهم صَريحاً لم يَشُبْ … آياتِه عَيٌّ ، ولا إعجام

وتَخارَسوا وعَموا فملءُ عُيونِهِمْ … رَمَدٌ ، وملُّ حُلوقِهم إفحام

لجأوا إلى ” الأنساب ” لو جَلَّى لهم … ” نَسَب ” ولو صَدَقَتْ لهم أرحام

وتنابَزُوا بالجاهلية شجَها … من قبل نورُ ” الفكر ” و ” الإسلام “

فأولاءِ أعرابٌ فكل مُحَرَّمٍ … حِلٌّ لهم وأولئِكمْ أعجام

وأولاءِ ” أغمارٌ ” فلا رأسٌ ولا … كَعبٌ ، ولا خَلفٌ ، ولا قُدام

وأولاءِ ” أشرارٌ ” لأنّ شعارهم … بين الشُعوب محبَّةٌ وسلام

وكأنَّ ” أرحاماً ” تُرَصُّ فريضةٌ … وكأنَّ ” أفخاذاً ” تُلَزُّ لِزام

وكأنَّ من لم يَحوِ تلكِ وهذه … وإنْ استقامَ بهيمةٌ وسَوام

نُكرٌ لو استَعلى ، لما استَعْلَت يَدٌ … بالعُروة الوثْقى لها استِعصام

ولما تمَايزَتِ النُّفوسُ بخَيرها … وبشرِّها ، ولما استَتَبَّ نِظام

لزَكا ” ابولَهَبٍ ” وكانُ مُرجَّماً … ودَنَا ” صُهَيبُ ” وإنه لامام

قَبَليَّةٌ يلجا إليها مُقْعَدٌ … لا الحزمُ يُنجده ولا الإعزام

وبها تَسَتَّرَ عن صَغارةِ نفسِهِ … خَزيانَ يأكُلُ زادهُ ويَنام

بل قد تَفَيَّأ ظِلَّها من حِطّةٍ … نسَبٌ يَسومُ رخيصَه المستام

من كل مُعدٍ في الصَغارِ كأنَّه … جَرَبٌ تُخاف شُذاتُه وجُذام

” سلمانُ ” أشرف من أبيكمْ كعبُهُ … ” وعِصامُ ” ما عَرَفَ الجدودَ عِصام

ومحمدٌ رَفَعتْ رسالةُ ربَّه … كَفّاهُ ، لا الأخوالُ والأعمام

ولقد يُذِلُّ مُسوَّداً أعقابُه … ولقد يسودُ عشيرةً حَجّامُ

أأُخَيَّ : لو سمِع النداءَ رُغامُ … ولو استجابَ إلى الصريخِ حِمام

مني عليك تحيةٌ وسلامُ … ولذكرِك الإجلالُ والإِعظام

واللهِ لولا طائفٌ من سَلوةٍ … ولُمامةٌ من مُسْكةٍ تَعتام

ورسالةٌ ندعو لها وأداؤُها … فرضٌ ، ورَعْيُ حقوقِها إلزام

وَبنّيةٌ للسالكين طريقَهم … والقادمينْ على الطريق تُقام

ودعاةُ حقٍ يخرُجون سواهُمُ … عارٌ إذا لزِموا البيوتَ وذام

لعكفتُ حولَك لا أريمُ ولم يكن … الا بحيث أقمتَ انتَ مُقام

يا نائماً والموتُ ملءُ جُفونِه … أعلمتَ من فارقتَ كيف ينام؟

وملاءَماً بيد المَنون جِراحَه … جُرح المُقيم عليكَ لا يلتام

قد كنتَ تقدِرُ ان تُظلَّكَّ بهجةٌ … ونَضارةٌ ، لا ظُلمةٌ ورَغام

أو أنْ يرِفَّ عليك في رَيْعانِهِ … هذا الربيعُ – كوَجهِك – البسام

لو شئتَ أعطتكَ الحياةُ زِمامَها … ولها على كَفِّ الشَباب زِمام

لِتَضمَّك الغُدرانُ في أحضانها … وتُقِلَّك الهَضَباتُ والآكام

وشقيقُك القَمرُ المُدِلُّ بلُطفه … نَشوانُ ، يَصحو تارةً ويُغام

لو شئتَ ، عن شرفٍ اردتَ فصِدْتَهُ … بَدَلاً ، لكانت صبوةٌ وغَرام

ولجئتَ مُقتَنصَ الشباب ولارتمَتْ … من حولك الظَبيَاتُ والآرام

لوشئتَ ؟ لكن شاءَ مجدُك غيرَها … فتلقَّفَتْك من الثرى أكوام

رَدّ البكاءَ عليكَ أنك قائدٌ … ولو استبدَّ بك الثَرى ، وإمام

تمشي الجُمُوعُ على هُداك كما هَدى … الضُلاّلَ برقٌ في الظَلام يُشام

لو غَيْرُ ذلك أطاحَ رأسَك لارتَمى … بِشِراك نعلِكَ طائحاً ” هَمّام “

ولما استَقَلَّ برأس ” مُرةَ ” خِنصِرٌ … لكَ ، واستقادَ بوجهه إبهام

قد كانَ يَعطِفُني عليك مَلامُ … ان لو ذخرتُكَ أيها الصِمصام

ان لو سلمتَ فلا شبايَ مُزنَّدٌ … أسفاً ، ولا حَدَيّ عليك كَهام

لو لم تُجبني من رفاتك هَمةٌ … صبراً جميلاً ايُّها اللُّوام

ما كنتَ ” نحاماً ” بنفسِك للورى … افأنت بي من أجلهم نَحام

نحنُ الضَحايا : للشعوب فَقاره … ولكل ما يبني الشعوبَ قِوام

هذي القُبورُ قنابرٌ مَبثوثة … لمكابرٍ وحَفيرُها ألغام

ما كانَ جيلٌ تستقيمُ قناتُه … الا ومَوتٌ ، يستقيمُ ، زُوآم

فالثُكْلُ والعَيْشُ السَويُّ سَويةٌ … ودَمُ الضحايا والحياةُ تُؤام

يومَ الشهيد ونعمتِ الأيامُ … لو تستِتمُّ أخوّةٌ ووِئام

لو يَرْعَوي المتنابذونَ وكلُّهم … بهمُومِهم ، وشُعورهم ، أرحام

ولو التَقى من بعدِ طُولِ تَفَرُّقٍ … الشَيخُ ، والقِسيّسُ ، والحَاخام

ولو اتفقنا كيف يهتِفُ هاتِفٌ … فينا ، وكَيفَ تُحرَرُ الأعلام

وبمِن يقودُ الزاحفيينَ أخالدٌ … ومحمدٌ ، ام أحمدٌ وهِشام ؟

هي امةٌ خافَ الطُغاة شَذاتَها … فسعَوا بها ، فاذا بها أقسام

واذا بها والذلُ فوق رءوسها … قُبَبٌ له مَضروبةٌ وخِيام

يحتازُها والجوعُ ينهَشُ لحمَها … باسم ” الرغيف ” معرَّةٌ وصِدام