يا ربة البيت الممنع جاره – لسان الدين الخطيب

يا ربة البيت الممنع جاره … وريبة الشرف العلي مناره

ما بال قلبك لا يرق لهائم … أم ما لقلبي لا يقر قراره

باعدت بين جفون صبك والكرى … حتى تساوى ليله ونهاره

وحميت طير النوم ورد شؤونه … فالنوم لا يرد الجفون غراره

إن كنت تنكر ما بقلبي من جوى … يلتاج في طي الضلوع أواره

فاستشهدي الدمع السفوح بوجنتي … واستخبري الطيف النزوح قراره

وحذار من شرر الحشا أن تسألي … فإذا قدحت الزند طار شراره

تعس العذول أما درى أن الهوى … خفيت على أربابه أسراره

إن كان أبطره السلو فإنما … سلوان مثلي في هواك تباره

ما للسلو وللمشوق أتينني … من قلبه بغرامه سناره

يا كعبة الحسن الذي قلبي له … مرمى الجمار وأضلعي أستاره

مني بأيسر نائل تحي به … قلبا تقسم في الهوى أعشاره

قالت وقد حذرت حبال مطامعي … لا ينكرن على الغزال نفاره

لا تخدعن فإنني إنسية … والحسن يلعب بالنهى غراره

أو ما ترى الملك ابن نصر يوسفا … أسدا وأنصار النبي نجاره

ملك إذا دهم الردى ترك العدا … جزرا تجرر بالفلا أكساره

نصر الجزيرة حيث لا مستصرخ … والباس دامية الشبا أظفاره

وكفت شديد حروبها وجدوبها … كفا الجلال يمينه ويساره

حتى إذا القحت حروب الجدب عن … أزل وغال جنابها إضراره

فبكل أفق رائد لا يلتقي … لفظته عن ساحاتها أغواره

والضرع أصبح منه بعد جفوله … جفت غضارته وغاض سماره

عادت بمصفر القتاد لقاحه … واسترفدت عشر الفلاة عشاره

والقوت قلص للنفاد ظلاله … والأزل قد شمل النفوس حصاره

والمرجفون يلبدون عجاجة … رجما بغيب أخفيت أقداره

حتى إذا قالوا تسعر ثاقب … عم السماء بلفحه استسعاره

أذكى شعاع الشمس نار قرانه … وهو الذي رصدت له أدواره

واحتل بيت الليث في آثاره … زحل وليث الغاب يرهب زاره

والعلم علم الله جل جلاله … والعبد إدراك القصور قصاره

وإذا الغني خفيت عليه مسالك … منه فكيف لغيره إبصاره

بين النجوم تشبها ريح الصبا … والليل ينهب بالنسيم صواره

والصبح قطع في فجاج شروقه … والأرض قصر أحميت أقطاره

إذ أقبلت سحب الغمام حوافلا … فحثا يجلجل في الثرى مدراره

وأنار شيب البرق عارض عارض … تحدى بأصوات الرعود قطاره

فغزت عدو المحل في أحجاره … حتى إذا طفيت بهن جماره

أخذت عليه شعابه ونقابه … جون الغمام فعفيت آثاره

فاهتز نبت الأرض بعد سكونه … نشأ وفك من الرغام إساره

واستأنف الروض اقتبال شبابه … فأظل من بعد المشيب عذاره

وتسربل الريحان حلة سندس … رقمت جنوب جيوبها أزهاره

وتتوجت زهرا مفارق دوحه … وتدرجت في حجره أبكاره

لولا مقام للضراعة قمته … فمحا خطيات الورى استغفاره

ما كان هذا الخطب مما ينقضي … وللج في آفاقها إعصاره

يا أيها الملك المرجى والذي … شهدت بتقوى ربه أخباره

كم موقف لك والقلوب خوافق … يهفو بأجرام الجبال وقاره

في جحفل لجب تلاطم موجه … وطما بأثباج الظبا زخاره

شغفت به بيض الصوارم في الطلا … وطما بأثباج الظبا زخاره

أطلعت من شهب الرماح ثواقبا … في مأزق أخفى ذكاء غباره

هيهات يجحد فضل مجدك جاحد … إن العلا علم وفخرك ناره

وأدرت أفلاك السياسة فوقه … فافتر في ليل الخطوب نهاره

إن أصبحت أرض الخلافة معدنا … فالناس تربته وأنت نضاره

لا غرو أن طلعت فعالك أنجما … إن الهدى فلك عليك مداره

حليته وحميت من أرجائه … فلأنت حقا صوره وسواره

أبني عبادة إن فخر قد يمكم … تليت بفرقان الهدى أسطاره

النصر لفظ أنتم مدلوله … والدين روض أنتم نواره

والحلم لحظ أنتم أجفانه … والعلم قلب أنتم أنواره

نصر النبوة فيكم مستودع … فهو النسيم وأنتم أسحاره

القوم ظل الله بين عباده … حاط اليقين بهم فعز ذماره

آوى لظلهم الهدى ولقبل ما … أردى الضلال بعزهم مختاره

من كان أنصار النبي جدوده … فملائك السبع العلا أنصاره

لله في إنجاز نصرك موعد … قد آن من إصباحه إسفاره

دجت الخطوب فكنت نور ظلامها … خفي الرشاد فكنت أنت مناره

فجوارح الإسلام أنت حياتها … حقا وصدر الدين أنت صداره

فاهزز ظبا النصر العزيز فإن من … عاداك مطلول النجيع جباره

قد عاذ ذو الإقدام منك بسلمه … ذعرا وأذعن رهبة جباره

ذخرتك أحكام الإله لنصره … ونمتك من هذا الأنام خياره

فارفع شعار الحق في علم الهدى … حتى يقر على النجوم قراره

وانعم بمقتبل السعود فإنما … يجري القضاء بكل ما تختاره

في مصر قلبي من خزائن يوسف … حب وعير مدائحي تمتاره

حليت شعري باسمه فكأنه … في كل قطر حله ديناره