وطارق ليل من علية زارنا – الفرزدق

وَطَارِقِ لَيْلٍ مِنْ عُلَيّةَ زَارَنَا، … وَقَد كادَ عَني اللّيْلُ يَنفَدُ آخِرُهْ

فَقُلْتُ لَهُ: هَذا مَبِيتٌ، وَعِنْدَنا … قِرَى طَارِقٍ مِنّا، قَرِيبٍ أوَاصِرُهْ

كَرِيمٍ عَلَيْنَا زَارَنا عَنْ حَنَابَةٍ … بهِ اللّيلُ إذْ حَلّتْ علينا عَساكِرُهْ

فَبَاتَ وَبِتْنَا نَحْسِبُ اللّيلَ مُصْبحاً … بها عندَنا، حَتى تَجَرّمَ غَابِرهْ

فَلَوْ لمْ تكنْ رُؤياً لأصْبَحَ عِنْدَنَا … كَرِيمٌ من الأضْيافِ عَفٌّ سَرَائرُهْ

فَيا لَعِبَادِ الله كَيْفَ تَخَيّلَتْ … لَنَا بَاطلاً لَمّا جَلا اللّيْلَ نائرُهْ

إلى أسَدٍ سِيري فَإنّ لِقَاءَهُ … حيا الغيثِ يُحيي ميّتَ الأرْضِ ماطرُهْ

إلَيْكَ أبَا الأشبالِ سارَتْ وَخَاطَرَتْ … عَوَادِيَ لَيْلٍ كَانَ تُخشَى بَوادرُهْ

لِتَلْقَى أبَا الأشْبَالِ، وَالمُسْتَغِيثُهُ … من الفَقْرِ أوْ خَوْفٍ تُخافُ جَرَائرُهْ

كَفاهُ الذي تَخشَى منَ الخَوْفِ نفسُه … وَسُدّتْ بإعطاءِ الألُوفِ مَفاقِرُهْ

دَعاني أبُو الأشْبَالِ وَالنِّيلُ دُونَهُ، … وَأيُّ مُجِيبٍ إذْ دَعَاني وَزَائِرُهْ

وَما زَالَ مُذْ كَانَ الخُماسِيَّ يَشترِي … غَوَاليَ مِنْ مَجْدٍ عِظَامٍ مَآثِرُهْ

يَعُودُ على المَوْلى نَدَاهُ وَمَالُهُ، … وَقد عزّ وَسطَ القَوْمِ من هَو ناصِرُهْ

عَلَتْ كَفُّكَ اليُمنى، طِعاناً ونائلاً، … يَدَيْ كلِّ مِعْطَاءٍ وقِرْنٍ تُساوِرُهْ

وَأنْتَ الذي تُسْتَهْزَمُ الخَيْلُ باسمهِ … إذا لحِقَتْ وَالطّعْنُ حُمْرٌ بَصَائرُهْ

وَدَاعٍ حَجَزْتَ الخَيْلَ عنهُ بطَعنةٍ … لهَا عَانِدٌ لا تَطْمَئِنّ مسابِرُهْ

وَقَد عَلِمَ الدّاعِيكَ أنْ ستُجيبُهُ … بحَاجِزَةٍ، وَالنّقْعُ أكْدَر ثَائِرهْ

عطَفْتَ عليهِ الخيلَ من خَلفِ ظهرِهِ … وَقَدْ جاءَ بالمَوْتِ المُظلِّ مَقادِرُهْ

رَدَدْتَ لَهُ الرّوحَ الذي هوَ قَدْ دَنَا … إلى فِيهِ مِنْ مَجْرٍ إلَيْهِ يُبَادِرُهْ

وَأنْتَ امْرُؤٌ يَبْتَاعُ بالسّيْفِ ما غَلا … وَبالرّمح لمّا أكْسَدَ الطّعنَ تاجِرُهْ

مَكارِمَ يُغْلِيها الطِّعَانُ إذا التَقَتْ … عَوالٍ مِنَ الخَطّيّ، صُمٌّ مكاسِرُهْ

وَأنْتَ ابنُ أمْلاكٍ وَكانتْ إذَا دَعَا … إلَيْها نِسَاءُ الحَيّ تَسْعَى حرَائرُهْ

يَداكَ يَدٌ إحداهُما النّيلُ وَالنّدى، … ورَاحَتُهَا الأخْرَى طِعَانٌ تُعاوِرُهْ

ولَوْ كانَ لاقاهُ ابنُ مامَةَ لانتَهَى … وَجُودُ أبي الأشبالِ يَعلُوهُ زَاخرُهْ

فَما أحيَ لا أجعَلْ لساني لِغَيْرِكُمْ، … وَلا مِدَحي مَا حَيّ للزّيتِ عاصِرُهْ

فَلَوْلا أبُو الأشْبَالِ أصْبَحْتُ نَائِياً … وَأصْبَحَ في رِجْلَيَّ قَيْدٌ أُحَاذِرُهْ

تَدارَكَني مِنْ هُوّةٍ كانَ قَعْرُهَا … بَعِيداً وَأعْلاها كَؤودٌ مَصَادِرُهْ

فَأصْبَحْتُ مِثْلَ الظّبْيِ أفلتَ بعدما … منَ الحَبلِ كانَتْ أعلَقَتهُ مَرَائِرُهْ

طَلِيقاً لِرَبّ العالَمِينَ، وَللّذِي … يَمُنّ عَلى الأسْرَى وَجَارٍ يُجاوِرُهْ

طَلِيقَ أبي الأشْبَالِ، أصْبَحَ جَارُهُ … على حَيثُ لا يدنو من الطَّوْدِ طَائِرُهْ

فَمَا أنَا إلاّ مِنْكُمُ مَا تَعَلّقَتْ … حَيَاتي إلى اليَوْمِ الّذي أنَا صَائِرُهْ

وَمَا لي شَيْءٌ كَانَ يُوفي بِنِعْمَةٍ … عَليّ لَكُمْ مِنْ فَضْلِ ما أنا شاكِرُهْ

وَلَوْ أنّ نَفْساً لي تَمَنّتْ سِوَى الذي … لَقِيتُ لَكَانَ الدّهْرُ بي ذَلّ عاثِرُهْ