وأهد بها في الفلا والسرى – ابن دارج القسطلي

وأهد بها في الفلا والسرى … ويوم التلاقي وحين الثواء

وتحت العجاج ووسط الهياج … وفي بحر آل وفي بحر ماء

وأوصل بها لأصيل العشي … بقرن الضحى والضحى بالمساء

وفاء لنفس أمدت سناها … بنور النهى وبنار الذكاء

وهدي هداها سبيل العفاف … ورأي أراها هدى كل راء

كما قد وفيت لها حين عجت … بغلتها في عباب الوفاء

ينابيع مجد سقت نبعة … من الفضل دانية الإجتناء

زكا تربها في ثرى المأثرات … فأينع إثمارها بالزكاء

فأضحت تثنى بروح الثناء … وينمي لها عنصر الإنتماء

فكم أفرجت عن نجوم السعود … وكم أغمضت من نجوم الشقاء

وكم ظللت من حرير الهجير … وكم أنزلت من طريد العشاء

رياضا تفوح بطيب الفعال … وزهرا يلوح ببشر اللقاء

ونادينني بضمان الندى … وحيينني بحياة الرجاء

بما استحفظت من حفاظ الجوار … وما أبليت من حميد البلاء

يجامعها شمل حلم وعلم … وهاد لها شكر دان وناء

ومن ولدت من كريم النجار … ومن أرضعت بلبان الدهاء

رعى حق ما استودعته المساعي … فأودعنه رعي خير الرعاء

ونادت به دولة السبق حي … فأعدته بالسبق قبل النداء

تجيبية جاب عنها الردى … كجوب المهند متن الرداء

حقيق النصيحة أن يستثير … لها الدر من تحت ردم الغثاء

وألا يخلي في ظلها … ذليل الذمام عزيز العزاء

فبشر عنها ببذل الغنى … وأعذر فيها ببذل الغناء

لمنزله منزل الإختصاص … وملبسه شرطة الإعتلاء

ومعتد أقلامه للكتاب … كتائب مشترفات اللواء

مليك تواضع في عز ملك … كسا دهره حلة الكبرياء

مقلد سيف الهدى والهوادي … متوج تاج السنا والسناء

وأغزى جيوش نداه القلوب … فجاءته مذعنة بالسباء

وخاصم في مهجات الأعادي … فأعطي بالسيف فصل القضاء

كأن الأماني من عليه … فلا آيب دون ضعف الجزاء

فلبيك لا من بعيد ولكن … عذيرك من معذرات الحياء

حمى فاحتبى بفناء اختلالي … فباعد بيني وبين الحباء

وقنع وجهي قناعات حر … فقنع دوني وجوه العطاء

وآزرته بالتجمل حتى … طويت صدى ظمإ عن سقاء

أمير على ماء وجهي ولكن … فداه بعيني ماء بماء

فأرصد هذا لحر كريم … وأسبل ذا طمعا في الشفاء

فقد حان من برحاء الضلوع … رحيل تنادى ببرح الخفاء

على ذلل من مطايا الشئون … قطعن إليك عقال الثواء

عواسف يهماء من غول همي … يقصر عنها ذميل النجاء

جدلت أزمتها من جفوني … وصغت أخستها من ذمائي

وأنعلها قرحات المآقي … فأخصفها بنجيع الدماء

فمنجدة في مجال النجاد … وغاثرة في غرور الرداء

فكم قد شققن سلى عن سليل … وأجهضن عن مستسر الوعاء

وكم قد رددن حياة نفوس … ظماء بموت نفوس ظماء

كأن مداهن في صحن خدي … ركابي في صحصحان الفضاء

تجوب التنائف خرقا فخرقا … وحاجاتها في عنو العناء

بكل حزين بعالي إلحزون … ومقو بكل بلاد قواء

ومستوهل حم منه الحمام … لأول وهلة ذاك التنائي

كأن تجاوب خضر الحمام … نشيجهم لتغني الحداء

وقد أوطنوا أربعا للبلى … وقد وطنوا أنفسا للبلاء

وكل خلي عن الإنس رهن … لجنبي خلية بحر خلاء

قريبة ما بين نضو ونضو … بعيدة ما بين مرأى وراء

تمور بضعف نجوم الثريا … لو انفردت بأديم السماء

ثمان كأسرار قلب الكئيب … ورابعة كقداح السراء

مطالبهم لمطال الضمار … وآجالهم لاقتضاء القضاء

فهل آذنت هجرتي أن تريني … عواقب تجلو كروب الجلاء

وهل ظفرت همتي من همومي … بثأر منيم ووتر بواء

ألم يتناه غروب الغريب … إلى مطلع الشمس في الانتهاء

ولم أتخذ جنح ليل المحاق … جناحا إلى نور ليل السواء

ولم أتزود هبيد القفار … إلى بحر أري جزيل العطاء

فأصبحت من ظلم الإكتئاب … على علم بين قرني ذكاء

وألقت يميني عصا الاغتراب … من الأمن بين العصا واللحاء

وأوفيت سوق الندى والمعالي … بدر المقال وحر الثناء

وقد شهد البر والبحر أني … بقرب ابن يحيى مجاب الدعاء

وأنك أنت الصريح السميع … إذا صم مستمع عن ندائي

وأنك دوني طود منيع … على الدهر مستصعب الإرتقاء

وانك أنت الشفيع الرفيع … بدائي إلى مسعف بالدواء

فكيف تخطت إلي الرزايا … ولم أخط في مستجاد الوقاء

وكيف اعتصمت بصدر الزمان … وصدري قرى كل داء عياء

وقد ضرستني حروب الخطوب … وأبطأت يا نصرة الأولياء

وعرفت في نكبات الزمان … بكنه الصديق ومعنى الإخاء

فواقدمي من سلام العثار … ويا ألمي من سهام الجفاء

وما أبعد القفر عن عين راء … وما أقرب الوقر من سمع ناء

ويا طول ظمئي لخمس وعشر … طريد الحياض بعيد الإضاء

كأني بعت التقى بالنفاق … فلا هؤلاء ولا هؤلاء

وكم عقرت دون عقر الحياض … سوامي وأزت أمام الإزاء

فرحت بها مخمصا في البطان … وأصدرتها مظمئا في الرواء

وأرعيت سعدان سعد السعود … نواء المنى وصفايا الصفاء

وأقوى فأنحر حرفا سنادا … وأرعى فأحلب شطر الإناء

بسبع كسبع سمام السموم … وأربعة كربوع العفاء

يفدون نفسي من الحادثات … ومالي ولا لهم من فداء

وكم ضربوا بقداح الحنو … علي ففازوا بقسم سواء

وقد أسلمتهم سمائي وأرضي … فلا من ثراي ولا من ثرائي

فيا ضيق ذرعي لهم بالزفير … على ضيق ذرعي بضيق الشتاء

وقد آذنتهم يدي واضطلاعي … بعدم الوقاء لهم والصلاء

فما بسوى حر تلك الصدور … يوقون من برد هذا الهواء

وإن راعت الأرض منهم جنوبا … تسلوا برعي نجوم السماء