هو البين حتى ما تأنى الحزائق – المتنبي

هُوَ البَينُ حتى ما تَأنّى الحَزائِقُ … ويا قَلْبُ حتى أنْتَ مِمّن أُفارِقُ

وَقَفْنا ومِمّا زادَ بَثّاً وُقُوفُنَا … فَرِيقَيْ هَوًى منّا مَشُوقٌ وشائِقُ

وقد صارَتِ الأجفانُ قَرْحى منَ البُكا … وصارَتْ بهاراً في الخدودِ الشّقائقُ

على ذا مضَى النّاسُ اجتماعٌ وفُرْقَةٌ … ومَيْتٌ ومَوْلُودٌ وقالٍ ووامِقُ

تَغَيّرَ حَالي واللّيالي بحالِها … وشِبْتُ وما شابَ الزّمانُ الغُرانِقُ

سَلِ البِيدَ أينَ الجِنّ منّا بجَوْزِها … وعن ذي المَهاري أينَ منها النَّقانِقُ

ولَيْلٍ دَجوجيٍّ كَأنّا جَلَتْ لَنا … مُحَيّاكَ فيهِ فاهْتَدَيْنا السَّمالِقُ

فما زالَ لَوْلا نُورُ وَجهِكَ جِنحُهُ … ولا جابهَا الرُّكْبانُ لوْلا الأيانِقُ

وهَزٌّ أطارَ النّوْمَ حتى كَأنّني … من السُّكرِ في الغَرْزَينِ ثوْبٌ شُبارِقُ

شدَوْا بابنِ إسحقَ الحُسينِ فصافحتْ … ذَفارِيَها كِيرانُها والنَّمارِقُ

بمَنْ تَقشَعرّ الأرْضُ خوفاً إذا مشَى … عليها وتَرْتَجّ الجبالُ الشّواهِقُ

فتًى كالسّحابِ الجونِ يُخشَى ويُرْتَجى … يُرَجّى الحَيا منها وتُخشَى الصّواعقُ

ولَكِنّها تَمْضِي وهذا مُخَيِّمٌ … وتَكذبُ أحياناً وذا الدّهرَ صادِقُ

تَخَلّى منَ الدّنْيا ليُنْسَى فَما خلتْ … مَغارِبُها مِنْ ذِكْرِهِ وَالمَشارِقُ

غَذا الهِنْدُوانيّاتِ بالهَامِ والطُّلَى … فَهُنّ مَدارِيها وهُنّ المَخانِقُ

تَشَقَّقُ مِنهُنّ الجُيوبُ إذا غَزا … وتُخضَبُ منهنّ اللّحَى والمَفارِقُ

يُجَنَّبُها مَنْ حَتْفُهُ عنهُ غافِلٌ … ويَصلى بها مَن نَفسُهُ منهُ طالِقُ

يُحاجَى به ما ناطِقٌ وهْوَ ساكِتٌ … يُرَى ساكتاً والسّيفُ عن فيه ناطِقُ

نَكِرْتُكَ حتى طالَ منكَ تَعَجّبي … ولا عَجَبٌ من حُسنِ ما الله خالِقُ

كأنّكَ في الإعطاءِ للمَالِ مُبغِضٌ … وفي كلّ حَرْبٍ للمَنيّةِ عَاشِقُ

ألا قَلّما تَبْقَى علَى ما بَدا لَهَا … وحَلّ بهَا مِنْكَ القَنَا والسّوابِقُ

خَفِ الله وَاسْتُرْ ذا الجَمالَ ببُرْقعٍ … فإنْ لُحتَ ذابتْ في الخدورِ العواتقُ

سَيُحيي بكَ السُّمّارُ ما لاحَ كوْكبٌ … ويَحدو بكَ السُّفّارُ ما ذرّ شارِقُ

فَما تَرْزُقُ الأقدارُ من أنتَ حارِمٌ … ولا تَحْرِمُ الأقدارُ مَن أنتَ رازِقُ

ولا تَفْتُقُ الأيّامُ ما أنْتَ راتِقٌ … ولا تَرْتُقُ الأيّامُ ما أنْتَ فاتِقُ

لكَ الخَيرُ غَيري رامَ من غيرك الغنى … وغَيري بغَيرِ اللاذِقيّةِ لاحِقُ

هيَ الغَرضُ الأقصَى ورُؤيَتُكَ المنى … ومَنزِلُكَ الدّنْيا وأنْتَ الخَلائِقُ