هم الناس حى يروي الأرض مدمعُ – مصطفى صادق الرافعي

هم الناس حى يروي الأرض مدمعُ … وتاللهِ يروي آكلٌ ليسَ يشبعُ

ظُماءَةُ جوفٍ أجَّ شوقاً إلى الورى … وبعضَ الظما قد يلتظي حينَ ينقعُ

ومسغبَةٌ لا يبلغُ الخلقُ دفعها … وإن بطنَ الأحياءَ في الأرضِ أجمعُ

فيا بارئ الدنيا حنانيكَ إنما … طغى الناسُ جهلاً بالذي كنتَ تشرعُ

لكلٍّ فؤادٌ غيرَ أن طبيعةً … من الشرِّ بينَ القلبِ والقلبِ تقطعُ

وكلٌّ جرى فيهِ دمٌ غيرَ أنني … أرى الحرص طفلاً من دمِ الناسِ يرضعُ

وبينَ المنى والنفسِ للشرِّ موقفٌ … فإن لم تزعهُ النفسُ أقبلَ يسرعُ

وكل ضعيفَ الرأي منفتلُ الهوى … عن الحزمِ يمنى بالهوانِ فيخضعُ

وتاللهِ إن الذنبَ للمرءِ أهلُهُ … ففي أي شكلٍ تطبعُ الطينَ يطبعُ

وأعجبُ ما في الناسِ أن يتألموا … إذا أوجعتهم نكبةٌٌ ثم يوجعوا

وأن يخدعَ الإنسانُ غيرَ مجاملٍ … ويجزعُ إن أمسى كذلكَ يخدعُ

وفي الناسِ حقٌ ما يزالُ وباطلٌ … ولكنهم للحقِّ بالباطلِ ادعوا

لحى اللهُ دهراً شدَّ بالقوةِ الهوى … فكلُّ قويٍّ شاءَ ما شاءَ يتبعُ

وهبْ أن هذا الظلمَ كانَ سياسةً … فمن قال ان الظلمَ في الظلمِ يشفعُ

لعمركَ لو تبني السياسةُ حجرةً … بغيرِ قلوبِ الناسِ باتتْ تزعزعُ

ولو رفعوها فوقَ غيرِ ضِعافِهم … لما وجدوها آخرَ الدهرِ ترفعُ

إذا لم يكن للضعفِ حولٌ فمن إذاً … بتلكَ القوى غيرُ الضعيفِ يُفجَّعُ

حنانيكَ يا ربُّ الضعافِ فهم كما … تحملُ قيدَ الأرجلِ الضخمِ أصبعُ

وويلاهُ ما هذهِ الحروبُ ومن أرى … فقِدْماً عهدنا الوحشَ في الوحشِ يطمعُ

معايبُ إلا أن كم من فظيعةٍ … لها مصدرٌ إن ينكشفْ لكَ أفظعُ

فويجَ الورى همْ سعرُّوها وبعضهم … لها حطبٌ والبعضُ فيها موقعُ

ونقعٍ دجوجيٍّ ترى السُّحبَ فوقَهُ … لما راعها من برقهِ تتقطعُ

إذا انفرجتْ للريحِ فيهِ طريقةٌ … نجتْ وبها حَمَّى تئزُّ وتسطعُ

وإن طالعتْهُ الشمسُ تذهلُ فلا ترى … أمغربها في النقعِ أم ذاكَ مطلعُ

وقد كشفتْ تلكَ العجوزُ نقابها … وقالتْ لأهليها قفوا ثمَّ ودعوا

وألقى الردى صيحاتهِ دافعاً بها … لذاكَ فمُ الموتِ اسمهُ اليومَ مِدفعُ

على عصبةٍِ لم يظلموا غيرَ أنهم … مفاتيحُ أمَّا قيلَ أغلق موضعُ

تعاطوا كؤوسَ الموتِ في حومةِ الوغى … وذاكَ رنينُ الكأسِ بالكأسِ تقرعُ

وللهِ ما اشهى الردى بعدَ ضيقةٍ … تكونُ طريقاً للتي هي أوسعُ

كأنهم والموتُ حانَ نزولهُ … سجودٌ يخافونَ العذابَ ورُكَّعُ

كأنَّ ثيابَ الموتِ كنَّ بواليا … عليهِ وبالأرواحِ أمستْ تُرَقَّعُ

كأن الردى إذ حجلَ الجندُ حولهُ … وقد عطشوا حوضٌ من الماءِ مترعُ

كأنَّ فمَ الميدانِ أصعدَ زفرةً … من الجيفِ لملقاةِ للهِ تَضْرعُ

زلازلُ ويلٍ ما تني الأرضُ تحتها … تهزهزُ حتى أوشكتْ تتصدَّعُ

إذا نفعتْ ضرتْ وما خيرُ نعمةٍ … تضرُّ الورى أضعافَ ما هي تنفعُ

كذاكَ أرى الدنيا فتاةً شنيعةً … فإن ولدتْ جاءتْ بما هو أشنعُ

كأني بهذي الأرضِ قلباً معلقاً … وما ملكٌ إلا لهُ الحرصُ أضلعُ

كأنْ قدْ غدا الإنسانُ وحشاً فلا أرى … يعززُ إلا المرءِ واديهِ مسبعُ

وإن يأمرِ الملكِ الذي ليسَ تحتهُ … سريرٌ من القتلى يسمعُ

ولن تصبحَ الدنيا سلاماً ورحمةً … على أهلها ما دامَ في الناسِ مطمعُ