هلم فجفن الدهر قد لاذ بالغمض – لسان الدين الخطيب

هلم فجفن الدهر قد لاذ بالغمض … وأمكن ميدان التصابي من الركض

إلى مجلس حيا مقاصده الحيا … وراح به الريحان في الطول والعرض

ويوم كأخلاق الصبي إذا بكى … حبته من الصحو السماء بما يرضى

فيضحك أحيانا ويعبث تارة … فمن ضحك يأتي ومن عبرة تمضي

وروض دنت للهاصرين قطوفها … فكان كلام القوم بعضا إلى بعض

أهذي التي كنا وعدنا بنيلها … وجنة عدن في السماء أم الأرض

كأن الصبا جاءت تخبر قضبها … سحيرا بأن الوقت ضاق عن الفرض

فأسرعت الأغصان تبتدر الثرى … وتعمر باقي الوقت منه بما تقضي

وسالت دموع الطل عند سجودها … كما بكت العباد من خشية العرض

ونامت جفون النرجس الغض بينها … كأن خضيب الطير قال لها غض

فمن أبيض كالدر حف بأصفر … هناك ومصفر يحف بمبيض

ترى النحل في أثنائهن كأنما … صيارف عاثت في الدراهم بالقرض

ومرضعة طفلا من العود ثديها … ولا در إلا الدر من أدب محض

كأن أباه الدوح ورد خدها … بما جاده نيسان من ورده الغض

وتطلب أحيانا بفرض رضاعه … فيبتز من تلك الدراهم في الفرض

إذا لمسته بالبنان تخالها … طبيبا من الحذاق جس على نبض

وتدني إليه السمع تصغي كأنه … يحقق قدر البسط فيه من القبض

وراح إذا ناجيت في الكأس روحها … رأيت اتصال الروح بالعالم الأرض

إذا طلعت مفترة في سعودها … تبشر أحكام السرور بما تقضي

إذا سمح الدهر الضنين بساعة … فعض عليها جاهدا أيما عض

فإن لم يساعدك الزمان فإنما … وجودك في الأيام كالعدم المحض