هذا المقام وهذه أسرارُه – محيي الدين بن عربي

هذا المقام وهذه أسرارُه … رُفع الحجاب فأشرقت أنوارُه

وبدا هلالُ التمّ يسطعُ نورُه … للناظرين وزالَ عنه سرارُه

فأنار روضَ القلبِ في ملكوته … وأتتْ بكلِّ حقيقة ٍ أشجارُهُ

عند التنزُّلِ صحَّ ما يختارُه … قلبٌ أحاطت بالردى أستارُه

وبدا النسيمُ ملاعباً أغصانَهُ … فهفتْ بأسرارِ العلى أطيارُهُ

جادتْ على أهل الروائح مِنّة … منهُ برياً طيبها أزهارهُ

هامَ الفؤاد بحبهِ فتقدستْ … أوصافه وتنزَّهَت أفكارُه

وتنزلَ الروح الأمينُ لقلبهِ … يومَ العروبة فانقضتْ أوطارُهُ

إنَّ الفؤادَ معَ التنزلِ واقفٌ … ما لم يصح إلى النزيل مطارُه

منْ كانَ يشغله التكاثرُ لمْ يكنْ … بعثته يومَ ورودِه اكثاره

من يدعي أنَّ الحبيبَ أنيسهُ … في حالهِ فدليلهُ استبشارُهُ

من يدعي حكمَ الكيانِ فإنَّه … قدْ تيمتهُ بحبها أغيارُهُ

منْ كانَ يزعمُ أنَّه من آله … سبحانه فشهوده أذكاره

شهداء منْ نالَ الوجودُ شعارهُ … أمر يعرّف شرعه ودثاره

وأنينهُ مما يجنُّ وصمتهُ … عنه وعبرة وجده وأواره

ما نال من جعل الشريعة َ جانباً … شيا وَلو بلغ السماء منارُه

الحالُ إما شاهدُ أو واردُ … تجري على حكم الهوى آثارُه

والناسُ إما مؤمن أو جاحدٌ … أو مدَّعٍ ثوبُ النفاقِ شعارُه

المنزلُ العالي المنيفُ بناؤه … واهٍ متى ما لم تقم عماره

لأوائها حتى يرى مقداره … فلك على نيل المقامِ مداره

لو كان تسعده النفوسُ وإنما … حجبتهُ عنْ نيلِ العلى أوزارهُ

فإذا أتته عناية من ربِّه … في الحال حِفَّ ببابه زوّارُه

ورأيته لما تخلص روحه … من سجنهِ أسرى بهِ جبارُهُ

وقد امتطى رحبَ اللبانِ مدبراً … يدعى الباقَ قما يشقُّ غبارُهُ

تهوى به الهُوج الشِّداد فيرتمي … نحوَ الطباقِ وشهبهنَّ شفارُهُ

ما زالَ ينزلُ كلِّ نورٍ لائحٍ … من جانبيه فما يقرّ قرارُه

حتى بدت شمسُ الوجود لقلبه … وبدا لعينِ فؤادِهِ إضمارُهُ

وتلاقتِ الأرواحُ في ملكوتهِ … فتواصلتْ ببحارهِ أنهارُهُ

مدَّ اليمينَ لبيعة ِ مخصوصة ً … أبدى لها وجهَ الرضى مختارُهُ

لمَّا بدا حسنُ المقامِ لعينهِ … عقدتْ عليهِ خلاقة ً أزرارهُ

ثم التوى يطوي الطريق لجسمه … ليلاً حذارِ أنْ يبوحَ نهارُهُ

وأتتْ ركائبهُ لحضرة ِ ملكهِ … بودائع يعتادها أبرارُه

وتوجهتْ سفراؤه بقضائِهِ … في كلِّ قلبٍ لمْ يزلْ يختارُهُ

وحمت جوانبه سيوفَ عزائم … منه وطاف ببابه سُمَّارُه

أين الذين تحققوا بصفاته … هذه العداة َ فأينَ همْ أنصارُهُ

منْ يدعي حبَّ الإمام فإنَّما … قذفتْ بهِ نحوَ المنونِ بحارُهُ

وسطا على جيش الكيانِ بصارمٍ … غضبِ المضاربِ لا يفلُّ غرارُهُ

مَنْ يهتدي أهلُ النهى بمناره … ذاك الخليفة تُقتفى أثارُه

إنّ الذين يبايعونكَ إنهم … ليبايعونَ منْ اعتلتْ أسرارُهُ

فيمينكَ الحجرُ المكرمُ فيهمِ … يا نصبة خضعتْ له أخياره

يا بيعة الرضوان دمت سعيدة … حتى تعطل للإمامِ عشارُهُ

إنَّ الديارَ بلاقعٌ ما لمْ يكنْ … صفواً للجينِ نزيلها ونضارهُ

المالُ يصلح كل شيءٍ فاسدٍ … وبه يزول عنِ الجوادِ عثارُهُ