هاتها حمراءَ تحكي العندما – عبدالغفار الأخرس

هاتها حمراءَ تحكي العندما … واسقنيها من يديْ عذبِ اللّمى

وانتهزها فرصة ً قد أمكنتْ … فاغتنمها واتخذها مغنما

وانتهبها لذة ً إنْ تنقضِ … يا نديمي أعقبتك الندما

وأعِدْ لي من شبابي ما مضى … بعجوز لم تلاق الهرما

حبّذا أختُ عروس زوّجتْ … وهي بكرُ الدَّن من ماءِ السما

أخبرت عن نار كسرى ما روت … من أعاصير الأُلى ما قدما

لطفتْ حتى كأن لم نرها … فتخيَّلنا الوجود العدما

في رياض أخَذَتْ زُخْرُفها … وبكى الغيث لها وابتسما

يوم أنسٍ نشر السحب به … في نواحي الجوّ بُرداً معلما

حجب الشمس فأبرزنا لنا … شمسَ راح والحباب الأنجما

معْ مليح قد قضى الحسن له … أنْ يرى الظلم إذا ما حكما

لو رآه عاذل يعذلني … في هواه عاد فيه مغرما

أشتكي الظلمَ وهذا ظالمي … يا لقومي من حبيبٍ ظلما

ورماني عامداً من لحظه … أيَّ سهم ذلك اللحظ رمى

ما اتقى الله بأحشائي ولا … راقبَ المأثم فيما أثما

حرَّمَ الوَصْلَ على مغرمه … ليتَه حَلَّلَ ما قد حرّما

يا مليحاً أنا في طاعته … وأعاصي في هواه الَّلوَّما

منك أشكو ما أقاسيه ومن … سُقم أجفانك أشكو السقما

وسواء فيك مسلوب الحشا … باح أسرار الهوى أو كتما

يا لقومي من مشيرٍ بدمي … من دم طلّ بألحاظ الدُّمى

كم وكم في الحبّ لا في معرك … صرع الظبيُ الأغنُّ الضيغما

وفنون لشجون أطلقتْ … عَبرة الصّبّ من الوجد دما

لست أنسى ليلة باتت بها … أعينُ الواشين عنا نوّما

وسهرناها كما شاء الهوى … نتعاطى الكأس من خمر اللمى

تلك أعراسُ زمان سلفتْ … فأقِم يوماً عليها مأتما

لم أزل من بعدها أرجو لها … عودة تبري بقلبي الألما

مقرناً قولي عسى في ربما … وعسى تُغني عسى أو ربّما

ينعم الدهر علينا مَرَّة … فنرى شمل المنى منتظما

ما رأتَ عَيني امرأً حيث رأت … مثل إبراهيم بَرّاً منعما

علويٌ قد علا أعلى العلى … وعلى أسمى السّماكين سما

مذ رأيناه رأينا ماجداً … وعرفناه وعرفنا الكرما

فهو كالغيث إذا الغيث همى … وهو كالبحر إذا البحر طمى

باسطٌ للجود منه راحة ً … ساجلتْ يومَ العطاءِ الدِّيما

أشرف العالم أُمّاً وأباً … ثُمَّ أوفاهم وأندى كرما

سيّد إنْ يعتزِ أو ينتمِ … فإلى خير النبيّين انتمى

لو دعيٌّ لم تدع آراؤه … من أمور الرأي أمراً مبهما

قسماً بالفخر في عليائه … أوَتبغي فوق هذا قسما؟

إنّه للفردُ في أقرانه … كان والمجد تليد التوأما

سالكٌ ما سلكت آباؤه … بمعاليه السبيلَ الأقوما

نشَرَتْ أيمانه ما ملكت … لنظام الحمد حتى نظما

أنا في مدحي له خادمه … إنَّ مَن يخدم علاه خدما

وقليلٌ ولو أني ناظم … لعلاه في القريض الأنجما

شِيَمٌ ممدوحة في ذاته … فتأمَّل فيه تلك الثيما

فتراه للندى حينئذٍ … مُسْبَغاً في كلّ يوم نعما

هو ترياق من الهر الذي … كان في اللأواء صِلاًّ صَيْلما

فإذا ما حارَبَتْ أيامه … حادث الأيام ألقى السلما

نتَّقي ما نتَّقي من بأسه … وإذ أقدمَ خطبٌ حجما

لا بلغتُ إرباً إنْ لم أكنْ … ناقلاً إلاّ إليه قدما

إنّما البَصرة في أيامه … ابْصَرَتْ أعْيُنُها بعدَ العَمى

جعل الله لها في ظلِّه … خيرَ ظلٍّ منه بل خير حمى

مكرماً من أمَّهُ مسترفداً … راحماً من جاءه مسترحما

فجزاه الله عنها خير ما … جُوزي المنعم عما أنعما