نؤمِّل أنْ يطول بنا الثَّواء – عبدالغفار الأخرس

نؤمِّل أنْ يطول بنا الثَّواء … ونَطْمعُ بالبقاء ولا بقاء

وتُغرينا المطامعُ بالأماني … وما يجري القضاءُ كما نشاء

تحدِّثنا بآمالٍ طوالٍ … وليسَ حديثها إلاّ افتراء

وإنّ حياتنا الدنيا غرورٌ … وسعيٌ بالتكلّف واعتناء

نُسَرُّ بما نُساءُ به ونشقى … ومن عَجَبِ نُسَرُّ بما نساء

ونضحك آمنين ولو عقلنا … لحقَّ لنا التغابن والبكاء

إلامَ يَصُّدنا لَعِبٌ ولهو … عن العظة التي فيها ارعواء

وتنذرنا المنون ونحن صمٌّ … إذا ما أسمع الصمَّ الندراء

وأيَّة لذَّة في دار دنيا … تلذُّ لنا وما فيها عناء

ستدركنا المنيَّة ُ حيث كنا … وهلْ ينجي من القدر النجاء

ظهرنا للوجود وكلُّ شيء … له بدءٌ لعمرك وانتهاء

لئنْ ذهبت أوائلنا ذهاباً … فأوَّلُنا وآخرنا سواء

نودّع كلَّ آونة حبيباً … يعزُ على مفارقه العزاء

فما يأتي الزمان له بثانٍ … إلى حيث السعادة والشقاء

ولو يفدى فديناه ولكنْ … أسيرُ الموت ليس له فداء

مَضَتْ أحبابنا عنّا سراعاً … إلى الأخرى وما نحن البطاء

وما قلنا وقد ساروا خفافاً … إلى أينَ السُرى ومتى اللقاء

بمن فيه المدائحُ والرثاء … لما استوفى حقوقَهُم البكاء

متى تَصفو لنا الدنيا فنَصفو … ونحنُ كما ترى طين وماء

فهذا السقم ليس له طبيبٌ … وهذا الداء ليس له دواء

فقدنا لا أباً لك من فقدنا … فحلَّ الرُّزءُ إذ عظمَ البلاء

وبعد محمَّد إذ بان عنا … على الدنيا وأهليها العفاء

لقد كانت به الأيام تزهو … عليها رونق ولها بهاء

وكان الكوكب الهادي لرشد … يضلُّ الفهم عنه والذكاء

وكان العروة الوثقى وفاءً … لمن فيه المودة والإخاء

فيأوي من يضام إلى علاه … ويعصِمُه من الضَّيم الإباء

علا أقرانه شرفاً ومجداً … كما تعلو على الأرض السماء

عصاميُّ الأبوَّة والمعالي … له المجدُ المؤثَّل والسناء

وما عقدت يدٌ إلاّ عليه … إذا عُدَّ الكرامُ الأتقياء

سقاك الوابل الهطّال قبراً … ثوت فيه المروءة والسخاء

وحيّاك الغمام بمستهلٍ … يصوب فترتوي الهيم الظِماء

قد کستُودِعْتَ أكرَم من عليها … فأنتَ لكلّ مكرمة وِعاء

وقد واريت من لو كان حيّاً … لضاقَ بفضله الواقي الفضاء

وقد أُفْعِمتَ من كرم السجايا … وطيّبها كما فُعِمَ الإناء

فأصبحَ منك في جنات عدن … بدار الخلد لو كشفَ الغطاء

مضى فيمن مضى وكذاك نمضي … وغايتنا وما نبقى الفناء

فما يأتي الزمان به بثانٍ … إلى الدنيا ولا تَلِدُ النساء

فقدناك ابنَ عثمانٍ فَقُلنا … فَقَدْنا الجودَ وانقطع الرجاء

ستبكيكَ الأيامى واليتامى … وترثيك المكارم والعلاء

وكنتَ علمتَ أنَّك سوف تمضي … ويبقى الحمدُ بعدك والثناء

فما قصَّرتَ عن تقديم خير … تنالُ به المثوبة ُ والجزاء

تفوزُ ببرك الآمال منا … ويرفع بالأكفِّ لك الدُّعاء

إذا وافَت إلى مغناك فازت … ذوو الحاجات واتصل الحباء

رزقتَ سعادة الدارين فيها … وإنْ رغِمَت عداك الأشقياء

لوجه الله ما أنْفَقْتَ لا ما … يراد به افتخارٌ واقتناء

قضيتَ وما انقضى كمدي وحزني … عليك وما أظنُّ له انقضاء

يذكرنيكَ ما وافى صباحٌ … وما أنساك ما وافى مساء

وما قَصُرَتْ رجال بني زهير … وفيك لها اقتفاء واقتداء

بنيتَ لهم على العَيُّوق نجماً … وشيِّد بالعلى ذاك البناء

بدور مجالسٍ وأسودُ غيلٍ … إذا الهيجاءُ حان بها اصطلاء

شفاءٌ للصدور بكلّ أمرٍ … إذا مرضت وأعياها الشفاء

وخيرُ خليفة الماضين عنا … سليمانٌ وفيه الاكتفاء

وقاسم من زكا أصلاً وفرعاً … وما في طيب عنصره مِراء

إذا زكتِ الأصول زكتْ فروع … فطاب العود منها واللّحاء

هو الشمسُ التي بزغتْ ضياءً … فلا غربت ولا غرب الضياء

عليه رحمة وسجالُ عفوٍ … من الرحمن ما طلعت ذكاء