موت المعنى – أديب كمال الدين

أختارُ لموتي أسئلةً من طين، ومرايا تفضحُ أجساداً من

قطن، ومعارك لم تحدثْ. وأناورُ في تدبيج مقالات تتستر في

اخفاء هزائم كلماتي كي أخرج محتفلاً والناس سكارى يرتجفون.

أختار لموتي عنواناً ورسائل خالية إلاّ من خيبة أطفالي،

ودراهم كاذبة، سيقاناً تلهبُ أغنيتي الدرداء. وأختارُ لموتي

معنى، وأضمّخه بالطيب وأنشره في السرّ على أكتافي. وأهاتفُ

أنكيدو القابع في أعماقي: انّ امرأة الغابة توقظ فينا تفّاحَ

الصبواتِ وتقتل طلعَ الربّ حذارِ. أشاورُ كلكامش ليلاً لنؤسس

مكتبةً لحروفِ الحقِ، الحبِّ، وحاءِ الشعراء المنسيين. وأختارُ

لموتي مأساة وأؤسس سيناً أخرى لا تدخل في كلماتِ اليأسِ،

السورِ، السجنِ، سلامِ الرعبِ، سقوطِ الأسنان. وأختارُ لموتي

ريحاً وعواصف من قلقٍ وأحاكمه وسط شواطئ لا يتعرّى فيها

غربانُ الكلماتِ المنخورة، ألقي القبض عليه وأدفنه في الأرض

وأختار لموتي موتاً أبهى، أكثرطولاً وشباباً. أختارلموتي راقصةً

وأكون الطبّال فهزّي هزّي. أتعبنا أن الزمنَ الموحشَ باع الريش

هنا في حانات المنسيين، فهزّي، الناقدُ مشغول بدراهمه والشاعر

صار مصففَ حرفٍ في مطبعةِ السخفِ الكبرى. اشتدّي

رقصاً. صرخ النحوي بنا: غلط غلط فصرخنا بالنحوي

الصارخ: غلط غلط. وسكرنا حتى نمنا في وحل الشارع،

واشتدّ بنا قلقُ الرئتين، مواجعُ عينين ارتبكتْ في ظلماتِ الأرضِ.

أقمنا مأدبةً لخطايانا، عاشرنا أنفسنا فيها واشتقنا لسرير الحبِّ

وتهنا. كان اللهُ يراقبُ خيبةَ أخطاءِ الجسدِ الفادحة المعنى. هزّي

هزّي. صرخ الضائعُ من أقصى الأرض بحرف السين فقال لنا:

قتلتني سينُ الاسئلةِ المذعورةِ والخبزِ الحافي والأطفال البردانين،

فلا جدوى من كلمات النورِ، لغاتِ المعنى. فاشتاقَ إلى قتلِ الرئةِ

الثكلى، قال لنا: سأكون التابع والكلب القابع. هل من عظمٍ

للضائعِ وسط السين البائع فجر الكلمات بخبز المسلولين؟

سقط َ الشعراءُ على سين الحرف، اختاروا القتل على هيئةِ

أحجار وانتشروا في دغلِ الكلمات. اخترتُ عداءَ الضائعِ

والحرف النائم في معجمه. هددني. صار الضائعُ يهجوني حتى

يطفئ نار الغضب المسعور، فأضحكُ أجتاز دواليب العثرات.

ومن موتي الأسود أبعثُ كلماتِ الحبِّ لأشجارالفقراء يجي الردّ

عنيفاً: لاجدوى انتبهي: أختار لموتي حرفاً. ليكنْ هذا الحرف

الميم. نمزّقه حتى يتكوّن ثانيةً من غير دماء يابسةٍ وكلابٍ

تسعى. ليكنْ هذا الحرف الواو، انتبهي سخف لا حدّ له

ياسيدتي أتعبني دوري، كنتُ الملك العادل وسط الأتباع

الفرحانين المملوء بحكمة أجدادي. صرخ المخرج وسط الحفلة:

قفْ هل جددتَ اجازةَ سوق السيارة؟ أتعبني دوري، كنتُ المتأمل

في صفحاتِ الأرض أحللُ تاريخاً أستجلي أسراراً. صرخ المخرج:

قفْ هل تقدر أن تجعل حرفكَ يخرج (بالمقلوب)؟ وكنتُ

العاشق، سيدتي الباء لها ثدي من عسلٍ وفم من خمرِ اللذةِ، لحنِ

مسرّاتٍ. صرخ المخرجُ وسط سرير الحب: وهل تقدر أن تنبح؟

كنتُ الطفل فلا جدوى من تهديدي. أشجاري خضر وثماري زاهية

كأغاني الجبل الأبيض. اخترتُ القهقهةَ البيضاءَ فلا جدوى من

تهديدي. جاء المخرجُ ضيّع معنى الأم وألقى القبضَ على أسرارِ

أبي، فأبتهل َالجسدُ القابعُ فيَّ. وأيقظني المخرجُ من نومي كي

أنظر موتي فبكيتُ. انحسرتْ لغتي. أرسلتُ رسائل عاجلة

للأنكيدو، الكلكامش. عاط النحويّ بنا: غلط غلط. ركبَ

النحويُ الضائعَ في الدهليزِ المظلمِ. فانطفأتْ لغتي. واقتربَ

الموتُ حثيثاً من بابِ البيتِ، فأغلقتُ البابَ، تسوّر محرابي في

منتصفِ الليلِ وقال بأني الموت فلا مهرب. أضحكني سخفُ

الموتِ، فقلتُ: أنا أهرب؟ هل يهربُ شيخ أعمى من موتكَ

يا هذا المتسوّر محرابي، يا هذا المتسوّر محراب الله؟

0