لهوى النفوس سريرة لا تعلم – المتنبي

لهَوَى النّفُوسِ سَرِيرَةٌ لا تُعْلَمُ … عَرَضاً نَظَرْتُ وَخِلْتُ أني أسْلَمُ

يا أُختَ مُعْتَنِقِ الفَوَارِسِ في الوَغى … لأخوكِ ثَمّ أرَقُّ منكِ وَأرْحَمُ

رَاعَتْكِ رَائِعَةُ البَياضِ بمَفْرِقي … وَلَوَ انّهَا الأولى لَرَاعَ الأسْحَمُ

لَوْ كانَ يُمكِنُني سفَرْتُ عن الصّبى … فالشّيبُ مِنْ قَبلِ الأوَانِ تَلَثُّمُ

وَلَقَدْ رَأيتُ الحادِثاتِ فَلا أرَى … يَقَقاً يُمِيتُ وَلا سَوَاداً يَعصِمُ

وَالهَمُّ يَخْتَرِمُ الجَسيمَ نَحَافَةً … وَيُشيبُ نَاصِيَةَ الصّبيّ وَيُهرِمُ

ذو العَقلِ يَشقَى في النّعيمِ بعَقْلِهِ … وَأخو الجَهالَةِ في الشّقاوَةِ يَنعَمُ

وَالنّاسُ قَد نَبَذوا الحِفاظَ فمُطلَقٌ … يَنسَى الذي يُولى وَعَافٍ يَنْدَمُ

لا يَخْدَعَنّكَ مِنْ عَدُوٍّ دَمْعُهُ … وَارْحَمْ شَبابَكَ من عَدُوٍّ تَرْحَمُ

لا يَسلَمُ الشّرَفُ الرّفيعُ منَ الأذى … حتى يُرَاقَ عَلى جَوَانِبِهِ الدّمُ

يُؤذي القَليلُ مِنَ اللّئَامِ بطَبْعِهِ … مَنْ لا يَقِلّ كَمَا يَقِلّ وَيَلْؤمُ

وَالظّلمُ من شِيَمِ النّفوسِ فإن تجدْ … ذا عِفّةٍ فَلِعِلّةٍ لا يَظْلِمُ

وَمن البَليّةِ عَذْلُ مَن لا يَرْعَوي … عَن جَهِلِهِ وَخِطابُ مَن لا يَفهَمُ

وَجُفُونُهُ مَا تَسْتَقِرّ كَأنّهَا … مَطْرُوفَةٌ أوْ فُتّ فيها حِصرِمُ

وَإذا أشَارَ مُحَدّثاً فَكَأنّهُ … قِرْدٌ يُقَهْقِهُ أوْ عَجوزٌ تَلْطِمُ

يَقْلَى مُفَارَقَةَ الأكُفّ قَذالُهُ … حتى يَكَادَ عَلى يَدٍ يَتَعَمّمُ

وَتَراهُ أصغَرَ مَا تَرَاهُ نَاطِقاً، … وَيكونُ أكذَبَ ما يكونُ وَيُقْسِمُ

وَالذّلّ يُظْهِرُ في الذّليلِ مَوَدّةً … وَأوَدُّ مِنْهُ لِمَنْ يَوَدّ الأرْقَمُ

وَمِنَ العَداوَةِ ما يَنَالُكَ نَفْعُهُ … وَمِنَ الصّداقَةِ ما يَضُرّ وَيُؤلِمُ

أرْسَلْتَ تَسألُني المَديحَ سَفَاهَةً … صَفْرَاءُ أضْيَقُ منكَ ماذا أزْعَمُ

فلَشَدّ ما جاوَزْتَ قَدرَكَ صَاعِداً … وَلَشَدّ ما قَرُبَتْ عَلَيكَ الأنجُمُ

وَأرَغْتَ ما لأبي العَشَائِرِ خالِصاً … إنّ الثّنَاءَ لِمَنْ يُزَارُ فيُنْعِمُ

وَلمَنْ أقَمْتَ على الهَوَانِ بِبَابِهِ … تَدْنُو فيُوجأُ أخْدَعاكَ وَتُنْهَمُ

وَلمَنْ يُهِينُ المَالَ وَهْوَ مُكَرَّمٌ … وَلمَنْ يَجُرّ الجَيشَ وَهْوَ عَرَمْرَمُ

وَلمَنْ إذا التَقَتِ الكُماةُ بمَأزِقٍ … فَنَصِيبُهُ مِنْهَا الكَميُّ المُعْلِمُ

وَلَرُبّمَا أطَرَ القَنَاةَ بفَارِسٍ، … وَثَنى فَقَوّمَهَا بِآخَرَ مِنْهُمُ

وَالوَجْهُ أزْهَرُ وَالفُؤادُ مُشَيَّعٌ … وَالرّمْحُ أسمَرُ وَالحُسامُ مُصَمِّمُ

أفْعَالُ مَن تَلِدُ الكِرامُ كَريمَةٌ … وَفَعَالُ مَنْ تَلِدُ الأعَاجِمُ أعجمُ