لك الطائر الميمونُ والطَّالع الَّسعدُ – ابن الرومي

لك الطائر الميمونُ والطَّالع الَّسعدُ … وطولُ بقاء ليس من بعده بَعدُ

تأمَّلْ وأنتَ المرءُ ينظر نظرة … فلا غَورَ إلا وهو في عينه نجدُ

ذكاءً وإشرافاً على كل غامضٍ … يقصّرُ قِدماً دون عفوهما الجُهد

ألم تر أن الجدَّ مذ كان سيِّد … وأن الوَنَى في كل عارفة عبْدُ

وتكميلُ معروف الكريم بحشده … وأسديتَ معروفاً وقد بقي الحشْدُ

ولستُ براضٍ منك ما لستَ راضياً … ولستَ براضٍ غير ما يرتضي المجد

إذا ما قصدتَ الأمرَ أول قصْدِه … ولم تَتْلُها أخرى فما حَصْحَصَ القصد

ولا عمدَ لم يحفزهُ عمدٌ مؤكَّدٌ … من المرءِ إلا أشبهَ الخطأَ العمدُ

وعنديَ أمثالٌ لذاك كثيرة … سَيَحْدُو بها في البر والبحر من يحدُو

إذا ما عقدتَ العَقد ثم تركته … ولم يَثْنِهِ عِقْدٌ وهى ذلك العَقْد

وما النّهْلُ دون العَلِّ شافي غُلَّة ٍ … وإن ساعدَ الماءَ العُذُوبة ُ والبردُ

ولا البرقُ دون الرعدِ ضامن مَطْرة … ولكن إذا ما البرقُ عاضده الرعدُ

وما العينُ عيناً حين تفقد أختَها … ولا الأذنُ أذُناً ما طوى أختَها الفقْدُ

وما اليدُ لولا أختُها بقويَّة ٍ … ولا الرجل لولا الرجل تمشي ولا تعدو

ولا كلُّ محتاج إلى ما يشدُّه … يُسَفْسِفُ إلا والوهاءُ له وكدُ

فعزِّز كتاباً منك وتراً بَشْفعه … فما عزَّ إلا الله مُستنجَدٌ فردُ

ترفَّعْ عن التعذير غير مُذمّم … إلى شرف الإعذار يخلصُ لك الحمدُ

وزدنا من الفعل الجميل فلم تزلْ … تَكرَّمُ حتى يعشق الكَرمَ الوغدُ

وبعدُ فإني يا قَريعيْ زماننا … مُبِثُّكُما وجدي فما مثله وجدُ

ألا فاسمعا لي إن شكوتُ فطال ما … شدوتُ بمدحي فيكما فوق من يشدو

عَميدَيَّ ما بالي حُرمت جَداكما … ورأيُكما رأيٌ وعهدكما عهْدُ

أعندي مُنقضُّ الصواعق منكما … وعند ذوي الكفر الحيا والثرى الجعدُ

وتحتيَ نعلي تخبطُ الأرضَ جُهدَها … وتحت سِوايَ السَّرجُ والسابح النهدُ

ولا غَروَ أن تحظى عَليَّ عصابة … لوت حمدها والحمدُ عندي والحقد

كذا والوهد تحظى بالسُّيول على الرُّبا … ويُعشبن بَدءاً قبل أن يُعشِبَ الوهدُ

متى أنصرفْ بالوجه والقلبِ عنكما … وأغدُ على حرٍ فحُقَّ ليَ الحردُ

شهدتُ لقد أشقيتماني وإنما … تقدم لي بالحظِّ لا الشّقوة ِ الوعدُ

أُرجِّي فما أرجو ضمانٌ لديكما … وأخشى فما أخشاه عندكما نقدُ

وماهو إلا واقع العتبِ منكما … وهل مثلهُ حبسٌ وهل مثلهُ جلدُ

وما لي من ذنب وإن براءتي … وعذريَ مما لا يغيبهُ الجَحدُ

أتنُبو بي الدنيا على حين لينها … وقد سكن الزلزال وامتهدَ المهدُ

وقد ضم عَنَزَ الأهل والذئبَ مرتعٌ … وأصبح ظبيالرَّملِ صالحهُ الفهدُ

أمالي إلى أن تجمعا لي رضاكما … سبيلٌ ولا يجري بذلك لي سعدُ

أمالي إلى أن تغدوا صدرَ مجلس … مساغٌ فلا يغدوا ابن حظ كما أغدوُ

هنالكَ تجري لي سعوديَ كلها … فيحيا الشباب اللدنُ والزمن الرغدُ

تعاديتما والحسنُ والطيب فيكما … كما يتعادى النرجس الغضُّ والوردُ

وما الحسنُ والطيب الذي قد حويتما … سوى فضل أخلاق محامدها سردُ

وعلمٍ وحلم لا يوازن بعضهُ … شَرَورى ولا رضْوَى وعروى ولا رقدُ

عذلتكما عذلي وليس بجارح … فإن كان عذلاً جارحاً فهو القصدُ

له النخسة ُ الأولى وينفع غبُّهُ … وما زالَ مني نحو نفعكما صمدُ

بذوركما فاستصلحاها لتجنيا … صلاحًا إذا ما الرَّيعُ حصَّلهُ الحصدُ

وإياكما والبغيَ خدناً فإنهُ … ذميم دميم في أحاديث من يندو

وعلمكُما بالرشدِ ما قد علمتما … ونحوكما نصُّ المشاورِ والوخدُ

وبالله ما مقدار دنيا تُنُوفستْ … بمثلٍ ولا عدلٍ لبعض الذي يبدو

وما أنا إلا ناصح متحرِّقٌ … بحبكما حتى يشقَّ له اللحدُ

وما زُلتُ عن رأيٍ ولا حُلتُ عن هوى … ولا قلتُ حتى قيل لي حجر صلدُ

وفدتُ وآمالي ومدحي عليكما … ولا عذرَ مالم يغش وفدكما وفدُ