لقد رام كتم الوجد يوم ارتحاله – لسان الدين الخطيب

لقد رام كتم الوجد يوم ارتحاله … ولكن دمع العين باح بحاله

فجاد ولم يملك بوادر عبرة … حداها مع الأظعان حادي جماله

أخو زفرة لا يستقيم كأنها … يجول فراس البكر حول ذباله

إذا حن لاقى دمعه بيمينه … وإن أن حاذى قلبه بشماله

تذكرت عهدا أحلى من الكرى … وأقصر من المام طيف خياله

فيا ليت شعري من أتاح لي الجوى … وعذب بالي هل أمر بباله

خليلي هبا فاجراها وغنيا … عليها بكثبان الحمى ورماله

وإن غالها حر الهجيرة فاذكرا … غضارة واديه وبرد ظلاله

وقولا لها ريا فأكتاف رية … إمام نوانا فأبشري باحتلاله

ستجنين غض العيش من مضض السرى … إذا حط عنك الكور بين جلاله

وتأتي أمير المسلمين خوامسا … فتكرع من بعد النوى في نواله

خليفة صدق لم يجد بشبهه … زمان ولم تأت الدنيا بمثاله

يرف إلى العافين لألاه بشره … كما رف متن العضب عند صقاله

إذا هم كان الدهر عبد مقامه … وإن قال قال الحق عند مقاله

مجير من استعداه قبل ندائه … ومغني من استجداه قبل سؤاله

مثير رياح في حومة الوغى … ومختطف الأبطال يوم نزاله

وموقد نار العدل في علم الهدى … ومطفىء نار البغي بعد اشتعاله

ومطلع شمس البشر في سحب الندى … وباني معاليه وهادم ماله

والله من مجد رفيع عماده … تبيت النجوم الزهر دون مناله

وأقسم ما روض الربا عقب الحيا … بأعطر عرفا من ثناء خلاله

أيوسف دم للدين تحمي ذماره … وتجني الأماني تحت ظل جلاله

وللجود تهمي ساجما من سحابه … وللباس تذكي جاحما من مصاله

حثثت ركاب العزم في خير وجهة … أتيح بها الإسلام برد اعتلاله

نشرت لواء الدين حين طويتها … مراحل غزو منك في نصر آله

إذا جئت قصرا أو حللت بمربع … ثوى الأمن والتمهيد بين حلاله

وصاب غمام الجود فوق بطاحه … وأشرق نور الهدي فوق جباله

كأنك بدر والبلاد منازل … إذا جبت أفقا راق نور جماله

وإن فقته بالحلم والعلم والندى … وشاركته في نوره وانتقاله

فكم بين محفوظ الكمال من الردى … ومتصف بالنقص بعد كماله

ولما أرحت السير في قصورية … بعزم تضيق الأرض دون مجاله

رأى منك بحر الماء بحرا من الندى … فواصل منه الموج لثم نعاله

زجرت بها الأسطول يبتدر العدا … ويمضي إلى ما اعتداه من فعاله

بكل خفيف دافق ومطاوع … مثار صباه أو مهب شماله

فلله عينا من رآها صوافنا … أفاض عليها القار سحم جلاله

إذا سعا عدتها هبة الريح أسرعت … كما أنساب أيم الروض غب انسلاله

وغربان أثباج زجرت سنيحها … ويظهر نجح الأمر في حسن فاله

سحاب إذا تهفو بروق صفاحه … همى عرض هجم بودق نباله

وغيل ليوث غابه من سلاحه … وآساده يوم الوغى من رجاله

وروض سقاه النصر صوب غمامه … ودارت عليه مفعمات انسجاله

فأغصانه ملتفة من رماحه … وأوراقه مخضرة من نصاله

جوار غذاها الغزو در لبانه … وحجبها الإسلام تحت حجاله

هواف إلى جرف العدو وإنما … وثقن بنصر الله يوم قتاله

لملكك عقبى النصر فارقب طلوعها … فقد آن للإسلام آن اقتباله

هو الله يملي للعدا ويد الهدى … ببرهانها تجلو ظلام محاله

وهل يستوي مستبصر في يقينه … ومستبصر في غيه وضلاله

هنيئا لك العيد السعيد فإنه … أتاك ببشرى الفتح قبل اتصاله

طوى البعد عن شوق وحث ركابه … وأوشك في منغاك حط رحاله

فمن استجار علاك عز جواره … وعزيز قوم لم يطعك ذليل

وإذا توخيت السياسة في الورى … يوما فما للعدل عنك عدول

وإذا جنبت المغريات إلى العدا … سيان عندك فرسخ أو ميل

ولو استعنت الدهر واستنجدته … لبدت لأمرك طاعة وقبول

وأتى ومن قطع الظلام كواكب … ومن الصباح أسنة ونصول

إن رمت في الله الجهاد وطالما … أرضى الإله جهادك المقبول

وأنفت للدين الحنيف وأهله … من أن يطيح نجيعه المطلول

وقدحت زند عزيمة نصرية … تركت ديار الكفر وهي طلول

وسلكت للتقوى سبيلا سنها … علم الملوك أبوك إسماعيل

ورجعت والنصر العزيز مصاحب … لك والملائكة الكرام قبيل

في عسكر لجب كأن جموعه … فوق الوهاد إذا زحفن سيول

كالبحر إلا أنهن كتائب … والريح إلا أنهن خيول

والبرق إلا أنهن أسنة … والرعد إلا أنهن طبول

فبكل نجد راية منشورة … وبكل غور مقنب ورعيل

كان افتتاح بني بشير مبدأ … سبب البشارة بعده موصول

سرت بموقعه النفوس وإنه … نبأ على سمع العدو ثقيل

ثم ارتقيت ثنية الثغر التي … هي للضلال معرس ومقيل

ورميتها بعزيمة نصرية … كادت لها شم الهضاب تزول

خود تجلت في منصة شاهق … مختالة إكليلها الإكليل

ومصام عز للنجوم مزاحم … ما لاستباحة ما حواه سبيل

سامي الذرا متمتع أركانه … يرتد عنه الطرف وهو كليل

أصميت ثغرتها بسهم عزيمة … تذر الأبي الصعب وهو ذليل

دارت بأعلى منذريها قهوة … للحتف مترعة الكؤوس شمول

ثم انثنيت وبالرماح تقصد … مما غزوت وللسيوف فلول

وتركت سحب النقع في آفاقها … تسمو وأنهار السيوف تسيل

لا يغررن الروم في أملائها … قدر فأيام الحروب تدول

والعزم وار في الحفيظة زنده … والرأي مشحوذ الغرار صقيل

ولو أنهم ملأوا البسيطة كثرة … إن الكثير مع الضلال قليل

وإذ امرؤ جعل الصليب نصيره … دون الإله فإنه مخذول

من مثل يوسف في الملوك إذا غدت … تزهى بفضل قديمها وتصول

طلق المحيا والخطوب عوابس … هامي الأنامل والغمام بخيل

بدر ولا غير الكتيبة هالة … ليث ولا غير الأسنة غيل

من أسرة سعدية نصرية … أثنى عليها الله والتنزيل

لله من فتح جليل قدره … ينميه جد في الملوك جليل

دين على الزمان ابتدرت قضاءه … سهل المرام وإنه لبخيل

لبست بك الأيام زخرف حسنها … وزها على الأجيال هذا الجيل

فاهنا بموصول الفتوح فإنما … هي سنة ما إن لها تبديل