لستُ على عذلِكَ صَبَّارا – كشاجم

لستُ على عذلِكَ صَبَّارا … فلو تَشَا أقصرتُ إقصَارا

واهاً لأَيَّامِ صِباً فَقْدُهَا … أورَثَني همّاً وإكدارا

أيَّامَ لا أُصبحُ إلاَّ فتى ً … قد صَاحبَ الفتيانَ غيّارا

وَكَمْ وَكَمْ رُحْتُ إِلى حانة ٍ … وَكَمْ وكَمْ نَبهْتُ خَمّارا

استغفرُ اللهِ وَكَمْ ليلة ٍ … أحييتُها لهواً وأوزارا

عانَقْتُ في ظُلْمَاتها شَادِناً … بِفترة ِ الأَجفانِ سَحَارا

فَقامُ يجلُو جُلنّاريَّة ً … تُصيَّرُ الأضواءَ أنوارا

يعقدُ ما بينَ كَثيبِ النّقا … وبينَ غُصْنِ البَانِ زُنَّارا

فإن يكُنْ ذاكَ الزّمانُ انقضى … وبدَّلَ الأَحلاءً أَمرارا

فالعيشُ طعمانِ لِمَنْ ذاقَهُ … والدهرُ ما ينفكُّ أَطوارا

وحبَّذا يومٌ بكرنابة ٍ … والفجرُ قَدْ أَسفَرَ إِسفارا

وكلّنّا مبتهجٌ مُمْتَطٍ … طِرفاً يفوتُ الطَّرفَ خطَّارا

كأنَّه مُن عُظْمِ تركيبهِ … صوّرهُ الجبّارُ جَبّارا

يخطُو على صُمٍّ إذا حَنَتهَا … ألقَتْ على الأحجارِ أَحجارا

كأَنَّنا في وقتِ إِرسَالِه … نُضْرِمُ في أعطافهِ نارا

يخبب خباباً سلوقيّة ُ … تفوتُ أَوهاماً وأَبصارا

مِنْ كلِّ حسناءَ طرازيّة ٍ … تفوق الأَرنب إِحضارا

يمدّ متنينِ امتداداً كما … قَرَنْتَ بالطّومَارِ طومارا

كَأنَّها صائمة ٌ أَقْسَمَتٍْ … أَنْ تجعلَ الأَرنبَ إِفطارا

وقد حملنا كُلَّ مُستَوفزٍ … أَدَهُ الحاذِقُ واختارا

يفتقُ حَمْلاقينِ عن مقلة ٍ … يَخَالها النّاظِرُ دِينارا

صادقة ٌ تُعملُ لحظاً إلى … مَقَاتلِ الطّائرِ نظّارا

مخاتلٌ لكن لهُ جلجلٌ … لم يألُ إعذارا وإنذارا

كأَنَّهُ شعلة ُ نارٍ إذا … عاينَ فتخاءَ وحشنَارا

أو عربيٌّ فاتكٌ ثائرٌ … يخافٌ في تقصيرِه العارا

فبينما تكفّفُ من غَربِها … وكلّها تجذبُ اَستَارا

صَارَ لنا برقٌ فناج ولو … كانَ يخافُ الحينَ ما ثَارا

فلم يزل في عَجَبٍ عَاجِبٍ … يأخذُ ما دبَّ وما طارا

فيا لهُ يوماً هَرَقْنَا به … من دَمٍ ما صِدْنَاهُ اَنهارا

وَلَّى وأُبقِي ذِكرُهُ بَعدَهُ … لِسائرِ الطرَّادِ أَسمارا

حتَّى إِذا نحنُ قَضَيْنَا بِهِ … من عُذَرِ اللذَّاتِ أَوطارا

مرحاً وقد سَّمطَ غلمانُنا … خرائطاً تحمِلُ أَوتارا

إلى محلٍّ حلَّ فيهِ النَّدى … وصارَ فيهِ المجدُ مذ صَارا

دارِ كريمٍ سيّدٍ أيِّدٍ … بُورِكَ فيمن يسكنُ الدّارا

تَلْقَاهُ فرداً في النَّدَى واحداً … وجحفلاً في الحربِ جرّارا

كأَنَّ في كفَّيهِ من جودِهِ … وبأسهِ الجنَّة َ والنّارا

لو أنَّ للأفلاكِ أخلاقَهُ … كانتْ نجومُ اللّيلِ أقمارا

يستعبِدُ الأَحْرَارَ معروفُهُ … والعُرْفُ يستعبدُ أحرارا

يشربُ شراوبة ً عُتِّقَتْ … في الدّنّ أعصاراً وأعصارا

حتَّى رأَينا اللّيلَ قد غَرَّبتْ … جَوْزَاهُ بَلْ والنَّجْمُ قد غارا

إِبٌقَ أَبا القاسِمِ واسْلَمْ فَقَدْ … جعلتَ للآدابِ مَقدارا

متَّعَكَ اللهُ بنعمائِهِ … وزادَ في عمرِكَ أعمارا