لا الحلم جاد به ولا بمثاله – المتنبي

لا الحُلْمُ جادَ بِهِ وَلا بمِثالِهِ … لَوْلا اذّكارُ وَدَاعِهِ وزِيَالِهِ

إنّ المُعِيدَ لَنَا المَنَامُ خَيَالَهُ … كانَتْ إعادَتُهُ خَيَالَ خَيَالِهِ

بِتْنَا يُناوِلُنَا المُدامَ بكَفّهِ … مَنْ لَيسَ يخطُرُ أنْ نَراهُ ببالِهِ

نجني الكَواكِبَ من قَلائِدِ جيدِهِ … ونَنالُ عينَ الشمس من خَلخالِهِ

بِنْتُم عَنِ العَينِ القَريحَةِ فيكُمُ … وَسَكَنْتُمُ طَيَّ الفُؤادِ الوَالِهِ

فَدَنَوْتُمُ ودُنُوّكُمْ من عِنْدِهِ … وَسَمَحتُمُ وسمَاحُكمْ من مالِهِ

إنّي لأُبغِضُ طَيفَ من أحْبَبْتُهُ … إذْ كانَ يَهجُرُنا زَمانَ وِصَالِهِ

مِثْلُ الصّبابَةِ والكآبَةِ وَالأسَى … فارَقْتُهُ فَحَدَثْنَ من تَرْحالِهِ

وقَدِ استَقدتُ من الهوَى وأذَقْتُهُ … من عِفّتي ما ذُقتُ مِنْ بَلبالِهِ

وَلقد ذَخرْتُ لكُلّ أرْضٍ ساعَةً … تَستَجفِلُ الضّرْغامَ عن أشبالِهِ

تَلقَى الوُجوهُ بها الوُجوهَ وبَيْنَها … ضَرْبٌ يَجولُ الموْتُ في أجْوَالِهِ

ولقد خَبأتُ مِنَ الكَلامِ سُلافَهُ … وسَقيتُ مَنْ نادَمتُ من جِرْيالِهِ

وإذا تَعَثّرَتِ الجِيادُ بسَهْلِهِ … بَرّزْتُ غَيرَ مُعَثَّرٍ بِحبَالِهِ

وحَكَمتُ في البَلدِ العَرَاءِ بناعجٍ … مُعتادِهِ مُجْتابِهِ مُغتالِهِ

يَمشي كَما عَدَتِ المَطيّ وَرَاءَهُ … ويَزيدُ وَقْتَ جَمَامِها وكَلالِهِ

وتُراعُ غَيرَ مُعَقَّلاتٍ حَوْلَهُ … فَيَفُوتُهَا مُتَجَفّلاً بعِقالِهِ

فَغَدا النّجاحُ وراحَ في أخفَافِهِ … وَغَدَا المِراحُ وراحَ في إرْقالِهِ

وَشرِكْتُ دوْلَةَ هاشِمٍ في سَيفِها … وشققتُ خِيس المُلكِ عن رِئبالِهِ

عن ذا الذي حُرِمَ اللّيوثُ كَمالَه … يُنسِي الفريسَةَ خَوْفَهُ بجمالِهِ

وَتَواضَعُ الأمَراءُ حَوْلَ سَريرِهِ … وتُري المَحَبّةَ وَهيَ من آكالِهِ

ويُميتُ قَبلَ قِتالِهِ ويَبَشُّ قَبْـ … ـلَ نَوالِهِ ويُنيلُ قَبلَ سُؤالِهِ

إنّ الرّياحَ إذا عَمَدْنَ لناظِرٍ … أغناهُ مُقبِلُها عَنِ اسْتِعجالِهِ

أعطَى ومَنّ على المُلُوكِ بعَفْوِهِ … حتى تَسَاوَى النّاسُ في إفضالِهِ

وإذا غَنُوا بعَطائِهِ عَنْ هَزّهِ … وَالَى فأغنَى أنْ يَقُولوا وَالِهِ

وكأنّما جَدْواهُ مِنْ إكْثارِهِ … حَسَدٌ لسائِلِهِ على إقْلالِهِ

غرَبَ النّجومُ فغُرْنَ دونَ همومه … وطَلَعنَ حينَ طَلَعنَ دونَ مَنالِهِ

والله يُسْعِدُ كلّ يوْمٍ جَدَّهُ … ويزيدُ مِنْ أعدائِهِ في آلِهِ

لَوْ لم تَكُنْ تَجري على أسيافِهِ … مُهَجاتُهُمْ لجَرَتْ على إقْبالِهِ

لم يَتْرُكوا أثَراً عَلَيهِ من الوَغَى … إلاّ دِماءَهُمُ على سِرْبالِهِ

فَلِمِثْلِهِ جَمَعَ العَرَمْرَمُ نَفْسَهُ … وبمثْلِهِ انفصَمَتْ عُرَى أقتالِهِ

يا أيّها القَمَرُ المُباهي وَجهَهُ … لا تُكذَبَنّ فلستَ من أشكالِهِ

وإذا طَمَى البحرُ المُحيطُ فقُلْ لَهُ … دَعْ ذا فإنّكَ عاجِزٌ عَنْ حالِهِ

وَهبَ الذي وَرِثَ الجدودَ وما رَأى … أفعالَهُمْ لاِبنٍ بِلا أفْعَالِهِ

حتى إذا فَنِيَ التُّرَاثُ سِوَى العُلى … قَصَدَ العُداةَ من القَنا بِطِوَالِهِ

وَبأرْعَنٍ لَبسَ العَجاجَ إلَيهِمِ … فَوْقَ الحَديدِ وَجَرّ مِن أذيالِهِ

فكَأنّمَا قَذِيَ النّهَارُ بنَقْعِهِ … أوْ غَضّ عَنهُ الطّرْفَ من إجلالِهِ

الجَيشُ جيشُكَ غيرَ أنّكَ جيشهُ … في قَلْبِهِ وَيَمِينِهِ وشِمالِهِ

تَرِدُ الطّعانَ المُرّ عَنْ فُرْسَانِهِ … وتُنازِلُ الأبطالَ عَن أبْطالِهِ

كُلٌّ يُريدُ رِجالَهُ لحَيَاتِهِ … يا مَنْ يُريدُ حَيَاتَهُ لرِجَالِهِ

دونَ الحَلاوَةِ في الزّمانِ مَرارَةٌ … لا تُخْتَطَى إلاّ على أهْوالِهِ

فَلِذاكَ جاوَزَها عَليٌّ وَحْدَهُ … وَسَعَى بمُنْصُلِهِ إلى آمَالِهِ