فلسطين – محمد مهدي الجواهري

دَلالاً في مَياديِنِ الجِهادِ … وتيهاً بالجِراحِ وبالضِّمادِ

ورَشْفاً بالثغورِ من المَواضي … وأخذاً بالعِناق من الجِهاد

وَعبّاً مِن نميرِ الخُلد يَجري … لِمُنْزَفَةٍ دِماؤُهم صَوادي

وَتَوطيناً على جَمرِ المنايا … وإخلاداً إلى حَرِّ الجِلاد

وَإقداماً وإنْ سَرَتِ السَواري … بما يُشجي وإن غدتِ الغوادي

وبذلاً للنفيِس مِن الضحايا … فَأنْفَسُ منهم شَرفُ البلاد

حُماةَ الدارِ مسَّ الدارَ ضُرٌّ … ونادى بافتقادكُمُ المُنادي

أرادَتْكُمْ لِتكفوها فُلُوْلاً … مُعرِّزةٍ كأرتالِ الجَراد

وشاءتْكُمْ لتنهطِلوا عليها … هُطولَ الغيثِ في سَنةٍ جَماد

وطافَ عليكُمُ حُلُم العَذَارَى … مُروَّعةً كُحِلْنَ مِن السُهاد

يَشُوْقُ الذائدينَ على المَنايا … نداءُ العاجزاتِ عنِ الذياد

تطَلعَتِ العيونُ إلى خُيولٍ … مُحجَّلةٍ مُنشَّرَةِ الهوادي

خبَرْنَ رَحَى الوغَى فعن اعتِسافٍ … يَدُرنَ مدارَها وعنِ اعتماد

إذا الرِجّلانِ مسَّهما لُغوبٌ … شأتْ بهما اليدانِ عن ارتِداد

عليها كلُّ أُغلَبَ أرقميٍ … يَبيسِ العَينِ ريّانِ الفؤاد

زَوَتْ ما بين جَفْنَيْهِ هُمومٌ … نَفَتْ عن عينهِ دَرَنَ الرُقاد

وشدَّتْ خافِقَيهِ فلن يَرِّفا … إذا التقيا على الكُرَبِ الشِّداد

وكلُ مُسَعَّرِ الجَمراتِ يُكسَى … من الغَبَراتِ ثوباً من رماد

تَمرَّسَ بالحُتوف فلا يُبالى … أحادَتْ عنهُ أم عَدَتِ العوادي

ويا جُثَثاً يَفوحُ المجدُ مِنها … فتَعَبقُ في الجبالِ وفي الوِهاد

سَقَتْكِ الصائباتُ مِن التَّحايا … مُعطَّرَةً فما صَوبُ العِهاد

أعزُّ الناسِ في أغلى مماتٍ … وَخيرُ الزرعِ في خيرِ الحَصِاد

ويا مُتَقربين إلى المنايا … يَشُقُّ عليِهمُ وطءُ البِعاد

رأيتُ الجودَ ملهاةً يُجازَى … بها اللاهي بحَمْدٍ مُستفاد

ومُتَّجَراً يدُرُّ المجدَ ربحاً … لكُل مُسلِّفٍ بِيضَ الأيادي

يُؤدِّي الناسُ ما وَهَبَتَْ كِرامٌ … وتدفَعُهُ المحافِلُ والنّوادي

ولكِنْ ثَمَّ للبلوى مِحَكٌّ … تَميزُ به البخيلَ مِنَ الجواد

هُنالِكَ إذ يَشُقُّ على المفدَّى … فَكاكُ إسارِهِ منْ كفِّ فادي

تفيضُ النفسُ لا تدري جزاءً … ولا تبغي – إلى يوم المعاد

ولا يَختَالُ – صاحبُها ازْدِهاءً … بما أسدى – على هامِ العباد

وروحٍ من ” صلاح الدّينِ ” هَبَّتْ … من الأجداثِ مُقلَقَةَ الوِساد

تَسَاءَلُ هل أتَتْ دوَلٌ ثمانٍ … ضِخامٌ ما أتاه على انفراد

وما أضفى الحديثُ على قديمٍ … وما ألقى الطَريفُ على تلاد؟

وما عِند الدُهاة منِ انْتقامٍ … ومن أخْذٍ بثأرٍ مُستقاد؟

وهل ضاقوا وهمْ كُثْرٌ ذِراعاً … بداهيةٍ نهضتُ بها دَآد

مَشَيْتُ بطبِّها عَجِلاً فطابت … عواقُبها ، وساروا باتِئاد

بلى كانوا ومَنْ عادَوْا تبيعاً … وكنتُ المستقِلَّ ومَن أُعادي

ومعتدّاً وما تُجدي حياةٌ … إذا خلتِ النفوسُ مِن اعتِداد

حَماةَ الدّارِ لم تَتْركْ لشعري … فِلَسْطينٌ سوى كَلِمٍ مُعاد

بَكَيْتُ مصابَها يَفَعاً ووافَتْ … نِهايَتهُا وخَمْسونٌ عدادي

قَدَحْتُ لها رَويَّاً من زِنادِي … وصُغْت لها رَّوِيَّا من فؤادي

وألقَيْتُ الظِِلالَ على القوافي … عليها يصْطَفقْنَ مِنِ ارتعاد

وهل عندي سوى قلبٍ مريرٍ … أُذَوِّبُهُ بكأسٍ مِن سُهاد

حماةَ الدارِ إنّي لا أُماري … وإن قلتُ الجديدَ ولا أُصادي

وليس تملُّقُ الجُمْهورِ مني … ولا التَّضْليلُ من شيمي ونادي

حماةَ الدارِ من عشرينَ عاماً … تقضَّتْ فاتَنا يومُ التَّنادي

دعانا وعدُ بلفورٍ وثنّى … وثلّثَ صائحُ البلدِ المُذاد

ونادتْنا بألسِنَةٍ حِدادٍ … دِماءٌ في قرارةِ كلِّ وادي

ومَوجاتٌ من الكُرَبِ الشدادِ … تراوَحُ بانتقاصٍ وازدياد

فكنّا نسْتَنِيمُ إلى قُلوبٍ … قَدَدْناها من الصُّمَ الصِلاد

وكنّا نستجير إلى زعيمٍ … كلِيلِ السيفِ لمّاع النِّجاد

كَذوبِ الدَّمع يسمَنُ في الرَّزايا … ويَدْعَرُ وهو يَرْفُلُ في الحِداد

وكنا نمتطي مُهْرَ الطِراد … فِلَسْطيناً إلى يومِ اصطياد

وكانَتْ دَلْوَ نّهازين مدّوا … بها واستنفدوا ملء المزاد

وَعَدْناها بثأرٍ مستقادِ … ومجدٍ قد أضَعنا مُسْتَعاد

بتصريحٍ وصاحبِه مفادِ … وتصريحٍ يَظَلُّ بلا مفاد

ومؤتمرٍ تعجَّلَ عاقدوه … ومؤتمرٍ سيؤذِنُ بانعقاد

حماةَ الدارِ ما النَّكساتُ سِرٌّ … ولا شيءٌ تَلفَّفَ في بِجَاد

ولا لُغْزٌ يَحارُ المرءُ فِيهِ … فَيَجهلُ ما سُداسٌ مِنْ أُحَاد

ولكِن مِثلَما وَضَحتْ ذُكاءٌ … ونَوَّرَ حاضِرٌ منها وبادي

فما ذَهبَتْ فِلَسطينٌ بسحر … ولا كُتِبَ الفناءُ بلا مِداد

ولا طاحَ البِناءُ بلا انحرافٍ … ولا بَنَتِ اليهودُ بلا عِماد

وما كنتْ فِلَسْطينٌ لِتَبقى … وجيرتُها يُصاحُ بها بَداد

وسِتُّ جِهاتِها أخذت بجوعٍ … وجهلٍ ، واحتقارٍ ، واضطهاد

شعوبٌ تستَرقُّ فما يُبَقّي … على أثرٍ لها ذُلُّ الصِّفاد

تُساطُ بها المواهِبُ والمزايا … وتُحتَجزُ العقائدُ والمبادي

وتَطْلُعُ بينَ آونةٍ وأُخرى … ” بحجَّاج ” يُزَيَّفُ أو ” زياد “

فَيُذوي الخَوفُ منها كُلَّ خافٍ … ويُصمي الجَوْرُ منها كلَّ بادي

وتُنتَهَبُ البلادُ ومِنْ بَنيها … يَؤوبُ الناهبون إلى سِناد

وتَنطلِقُ المطامعُ كاشراتٍ … تُهدِّدُ ما تُلاقي بازدراد

وتَنطبِقُ السُّجونُ مُزمجراتٍ … على شبَهٍ ، وظَنٍّ ، واجتهاد

حُماةَ الدارِ ، ما ميدانُ حَربٍ … بأعنفَ من مَيادينِ اعتقاد

فَمثلُكُمُ من الأرواح جسمٌّ … تُقاسي الموتَ من عَنَتِ الجهاد

وأخلاقٌ تضيق بِمُغْرياتٍ … شدادٍ في خُصومَتها لِداد

تَكادُ تَطيحُ بالعَزماتِ لولا … رُجولَةُ قادرينَ على العِناد

رُجولةُ صائمينَ ولو أرادوا … لكانوا الطاعمينَ بأيّ زاد

ومَعركةٍ يَظَلُّ الحقُّ فيها … يُسالِمُ أو يُهادِنُ أو يُبادي

وميدانٍ وليس لنازليهِ … سوى الصَّبرِ المثلَّم من عَتاد

وكانتْ في السُّطوحِ مَزعزَعاتٍ … خُطوطٌ يرْتَسِمْنَ منَ الفَساد

فها هي فرطَ ما جَنَتِ الجواني … إلى عُمقٍ تَغَّورُ وامتداد

لقَد شبَّتْ عنِ الطَّوقِ المخازي … وكانَتْ بنتَ عامٍ في مِهاد

حُماةَ الدارِ ، لولا سُمُّ غاوِ … أساغَ شَرابَه فَرطُ التمادي

وَلَوْغٌ في دم الخِلِّ المُصافي … فقل ما شِئتَ في الجنِفِ المُعادي

ولبَّاسٌ على خَتَلٍ وغَدْرٍ … ثيابَ الواقفينَ على الحِياد

وَخِبٌ لا يُريكَ متى يُواتي … فتأمنَ سرَّهُ ومتى يُصادي

تَطلّعُ اذ تَطلّعُ في رَخِيٍّ … وتَقرَعُ حين تَقرعُ في جَماد

ولولا نازلونَ على هواه … سُكارَى في المحبّةِ والوداد

نَسُوْا – إلا نفوسَهُمُ – وهامُوا … غراماً حيثُ هامَ بكلِّ واد

أجرّهُمُ على ذَهبٍ ، فَجرّوا … فِلسطيناً على شوكِ القَتاد

وقادُوها له كَبْشَ افتداءٍ … صنيعَ الهاربينَ منَ التّفادي

لكنتم طِبَّ عِلَتِها ، وكانت … بكم تُحدَى على يدِ خيرِ حادي

حُماةَ الدارِ لم تَزَلِ اللّيالي … يُطوِّحُ رائحٌ منها بغادي

ولا تَنفكُّ داجيةٌ بأخرى … تَعثَّرُ لم يُنِرهْا هَدْيُ هادي

ولا تألو الضلالَةُ وهي سِقطٌ … تُكابرُ أنّها أمُّ الرَّشاد

حماةَ الدار كلُّ مَسِيلِ ظُلمٍ … وإن طالَ المدى فإلى نَفاد

وكلُ مُحتَشَّدٍ فإلى انِفِضاضٍ … وكلُ مُفرَّقٍ فإلى احتشاد

فصبراً ينكشِفُ ليلٌ عميٌ … وينَحسرِ البياضُ عن السواد

وتَتَضِحِ النفوسُ عن الخبايا … ويُفصِحُ مَنْ يُريدُ عن المراد

وتَندفِعِ الشعوبُ إلى محجٍّ … مُبينِ الرُشدِ موثوقِ السَّداد

وتُؤذنْ جذوةٌ إلى انْطِفاءٍ … يَؤولَ مآلُها أم لاتّقاد

ومهما كانتِ العُقبى فَلستُمْ … بمسؤولينَ عن غيبٍ مُراد