فتحت سعودك كل باب مبهم – لسان الدين الخطيب

فتحت سعودك كل باب مبهم … وجلا يقينك كل خطب مظلم

وجنيت غصن الفتح من ورق الظبا … والنصر من غرس القنا المتحطم

فانهل بسعدك قبل جندك للعدا … وابعث برعبك قبل جيشك تهزم

واحفظ بحزمك كل سرب غافل … واكلأ بسهدك جفن كل مهوم

فالحتف فوق غرار سيفك يلتظي … والرزق بين بنان كفك ينهم

يا عصمة الثغر الذي دارت به … أعداؤه دور السوار بمعصم

يا قائد الخيل المغيرة بالضحى … ومزير ربع الكفر كل مطهم

من كل برق بالأهلة مسرج … قيد الأوابد بالثريا ملجم

من أخضر كالحبر أو من أشقر … كالتبر أو من أحمر كالعندم

أو أشهب إن لاح في غسق الدجى … فكأنما هو غرة في أدهم

قطعت سيوفك كل حكم قاطع … وقضت سعودك قبل كل منجم

وإذا الخطوب جهلت لحن خطابها … كان الحسام الصلت خير مترجم

كم فتكة لك في العدو مشهورة … يزري حديث تليدها بالأقدم

وكتيبة قرأت ظباك كتابها … فعلمت منها كل ما لم يعلم

ولك الجواري المنشآت سوابحا … في اليم أمثال الصقور الحوم

فتح القوادم للفنا قد أبرمت … أمرا بها كف القضاء المبرم

من كل منصاع كأن شراعه … قطع السحاب سرت بنوء المرزم

ساح البياض البحت تحت جناحه … فتراه في شية الغراب الأعصم

تلك الجواري المنشآت صداقها … مهج العدا وخلوفهن من الدم

وحجالهن من البنود فلا ترم … وصلا بدينار لهن ودرهم

نصرت عباد الله جل جلاله … وسطت بعباد المسيح ومريم

يممتها والماء موجود لها … نحو العدو فكان خير تيمم

حملت رجالا كالليوث مصاعبا … صبرا على الفج المصاع المضرم

قصدت بهم بحر الزقاق عزيمة … قد جردت أسيافها لم تكهم

حتى إذا طلعت وجوه سعودها … بيضا على ذاك السواد الأعظم

وكأن قوس الغيم بعض قسيها … وذرى الذوائب بعض تلك الأسهم

نادى لسان النصر يفصح ناطقا … يا أسرة الدين الحنيف تحكم

كم راية للفتح فوق رؤوسهم … خفقت وكم ملك هناك مصوم

فتركن أحزاب الصليب كأنما … ثملوا بمحتوم الرحيق مفدم

تقلي مفارقها المياه كأنما … في البحر نائمة وليس بنوم

صرعى على عفر الرمال وليمة … للحوت أو للطير أو للضيغم

ناديت والحفلاء غير عجيبة … هذا الصنيع لمثل ذاك الموسم

من كل منسحب السوابغ مضمر … سم الأفاعي تحت جلد الأرقم

وملفف في العصب أعرت متنه … وكسته حاشية الرداء المعلم

أو بالسلاح سيستطع عن نفسه … دفعا فمد لها يد المستسلم

أقفرت ربع الكفر من سكانه … بهلاكهم وعمرت ربع جهنم

وسقيتهم كأس الردى ممزوجة … سم الأساود في نقيع العلقم

وقدحت فوق الماء نارا تلتظى … وسفحت فوق البحر بحرا من دم

فكأن صفح البحر مدت فوقه … أيدي الرياح مطارفا من عندم

بنيان كفر وطدت أساسه … لولا دفاع الله لم يتهدم

لله من يوم تعاظم قدره … في كل يوم ذاهب متقدم

نعش الجزيرة بعد شد وثاقها … وأجار من حفت به من مسلم

بكر الفتوح نضت لديك نقابها … من بعد طول تقنع وتلثم

سمر الركاب إذا تعاورها السرى … من منجد في الأرض أو من متهم

وغريبة الزمن التي آثارها … متلوة بين الحطيم وزمزم

فاهنأ به صنعا جميلا وارتقب … من بعده إتيان صنع أعظم

جمع الإله بيوسف شمل الورى … وأثنى النوائب وهي فاغرة الفم

ثبت الجنان إذا الخطوب تعاظمت … متبسم في الحادث المتجهم

يمضي رياح العزم غير مسوف … ويلاحظ الآراء بعد تلوم

فتراه يوم الحزم آخر مرتىء … وتراه يوم العزم أول مقدم

تنميه من أبناء سعد أسرة … كرمت فنعم المنتمى والمنتم

الطاعنون وما بها من طاعن … والمطعمون وما بها من مطعم

كلف بإدراك المعالي هائم … صب بابكار المكارم مغرم

فتراه بين عزيمة تفري الطلى … يوما وعفو عن جريمة مجرم

قسما بجودك وهو أي ألية … وبعز ملكلك وهو اسمى مقسم

ما ذكر أيام الشباب وقد مضى … أو ما الغنى عند الفقير المعدم

بأجل من نظري لوجهك ساعة … عندي وأحلى من ثنائك في فم

مولاي خذها غادة عربية … تزهى بعقد من علاك منظم

لما اعتزيت إلى ثنائك بان لي … بالعقل كيف وجوب شكر المنعم

لو قال في هرم زهير مثلها … هرم الزمان وذكره لم يهرم

أو مر عنترة عليها لم يقل … هل غادر الشعراء من متردم