عزيز إسا من داؤه الحدق النجل – المتنبي

عَزيزُ إساً مَن داؤهُ الحَدَقُ النُّجْلُ … عَيَاءٌ بهِ ماتَ المُحبّونَ من قَبْلُ

فَمَنْ شاءَ فَلْيَنْظُرْ إليّ فمَنظَري … نَذيرٌ إلى مَن ظَنّ أنّ الهَوَى سَهْلُ

وما هيَ إلاّ لحظَةٌ بَعدَ لحظَةٍ … إذا نَزَلَتْ في قَلبِهِ رَحَلَ العَقْلُ

جرَى حبُّها مجْرَى دَمي في مَفاصِلي … فأصْبَحَ لي عَن كلّ شُغلٍ بها شُغْلُ

سَبَتْني بدَلٍّ ذاتُ حُسْنٍ يَزينُها … تَكَحُّلُ عَيْنَيها وليسَ لها كُحلُ

كأنّ لحاظَ العَينِ في فَتْكِهِ بِنَا … رَقيبٌ تَعَدّى أوْ عَدُوٌّ لهُ دَخْلُ

ومن جَسَدي لم يَترُكِ السّقمُ شعرَةً … فَمَا فَوْقَها إلاّ وفيها لَهُ فِعْلُ

إذا عَذَلُوا فيها أجَبْتُ بأنّةٍ: … حُبَيّبَتي قلبي فُؤادي هيا جُمْلُ

كأنّ رَقيباً منكِ سَدّ مَسامِعي … عنِ العذلِ حتى ليس يدخلها العذلُ

كأنّ سُهادَ اللّيلِ يَعشَقُ مُقلَتي … فبَيْنَهُما في كُلّ هَجْرٍ لنا وَصْلُ

أُحِبّ التي في البدرِ منها مَشَابِهٌ … وأشكو إلى من لا يُصابُ له شكلُ

إلى واحِدِ الدّنْيا إلى ابنِ مُحَمّدٍ … شُجاعَ الذي لله ثمّ لَهُ الفَضْلُ

إلى الثّمَرِ الحُلْوِ الذي طَيِّءٌ لَهُ … فُرُوعٌ وقَحْطانُ بنُ هودٍ لها أصلُ

إلى سَيّدٍ لَوْ بَشّرَ الله أُمّةً … بغَيرِ نَبيٍّ بَشّرَتْنَا بهِ الرّسْلُ

إلى القابضِ الأرْواحِ والضّيغَمِ الذي … تُحَدّثُ عن وَقفاته الخيلُ والرَّجْلُ

إلى رَبّ مالٍ كُلّما شَتّ شَملُهُ … تَجَمّعَ في تَشتيتِهِ للعُلَى شَمْلُ

هُمَامٌ إذا ما فَارَقَ الغِمْدَ سَيْفُهُ … وعايَنْتَهُ لم تَدرِ أيّهُمَا النّصْلُ

رَأيْتُ ابنَ أمّ المَوْتِ لوْ أنّ بَأسَهُ … فَشَا بينَ أهْلِ الأرْضِ لانقطعَ النسلُ

على سابِحٍ مَوْجُ المَنايا بنَحْرِهِ … غَداةَ كأنّ النَّبلَ في صَدرِهِ وَبْلُ

وَكَمْ عَينِ قِرْنٍ حَدّقَتْ لِنِزالِهِ … فلم تُغْضِ إلاّ والسّنانُ لها كُحلُ

إذا قيلَ رِفقاً قالَ للحِلمِ موْضِعٌ … وَحِلْمُ الفتى في غَيرِ مَوْضِعه جَهْلُ

ولَوْلا تَوَلّي نَفسِهِ حَملَ حِلْمِهِ … عن الأرض لانهدّتْ وناء بها الحِملُ

تَباعَدَتِ الآمالُ عن كلّ مَقصِدٍ … وضاقَتْ بها إلاّ إلى بابِهِ السُّبْلُ

ونادى الندى بالنّائمينَ عن السُّرَى … فأسمَعَهمْ هُبّوا فقد هلَكَ البُخلُ

وَحالَتْ عَطايا كَفّهِ دونَ وَعْدِهِ … فَلَيسَ لَهُ إنْجازُ وَعْدٍ وَلا مَطْلُ

فأقْرَبُ مِن تَحديدِها رَدُّ فائِتٍ … وأيسَرُ من إحصائِها القَطرُ والرّملُ

وَما تَنْقِمُ الأيّامُ مِمّنْ وُجُوهُهَا … لأخْمَصِهِ في كلّ نائِبَةٍ نَعْلُ

وَمَا عَزَّهُ فيها مُرَادٌ أرَادَهُ … وإنْ عَزّ إلاّ أن يكونَ لَهُ مِثْلُ

كَفَى ثُعَلاً فَخْراً بأنّكَ مِنْهُمُ … ودَهْرٌ لأنْ أمْسَيتَ من أهلِهِ أهلُ

ووَيْلٌ لنَفسٍ حاوَلَتْ منْكَ غرّةً … وَطُوبَى لعَينٍ سَاعَةً منكَ لا تخلو

فَما بفَقيرٍ شامَ بَرْقَكَ فَاقَةٌ … وَلا في بِلادٍ أنْتَ صَيّبُها مَحْلُ