عجبا لوجد لا يلين شديده – لسان الدين الخطيب

عجبا لوجد لا يلين شديده … وغرام قلب شب فيه وقوده

ولقد عهدت القلب وهو موحد … فعلام يقضى في العذاب خلوده

إتلاف نفسي في هواك حياتها … وفناء قلبي في رضاك وجوده

وإن استربت سلي شهود مدامعي … قد صح من في وجنتيه شهوده

هل تذكرين عهود أيام الحمى … لله أيام الحمى وعهوده

أيام وجه الدهر طلق والصبا … لدن المعاطف يانع أملوده

فاليوم عاد القرب منا في الهوى … بعدا وصال على الوصال صدوده

ولقد شجاني بارق متألق … يشجى به صب الفؤاد عميده

أورى بجنح الليل في سقط اللوى … سقطا ورت خلل السحاب زنوده

وهمى على طلل الأحبة ديمة … فحسبت عيني عند ذاك تجوده

وكأن نور جبين يوسف نوره … وكأن ديمته الملثة جوده

ملك أقام الحق يخفق ظله … فالحق خفاق الرواق مديده

وحباه رب العرش آية مفخر … حكمت له أن الملوك عبيده

وحمى الجزيرة حاملا أعباءها … بلهام جيش لا يكت عديده

وغدا بأسباب العلا متمسكا … فيها فحفظ الله ليس يؤوده

من كان أنصار النبي جدوده … فملائك السبع الطباق جنوده

ماست غصون رماحه وتفتحت … بشقائق النصر العزيز بنوده

وأعد أوزار الحروب صوافنا … تمضي على عقبانهن أسوده

من كل أجرد سابق عبل الشوى … ما إن تحط عن الحروب لبوده

يرمى به الغرض البعيد فينثني … بطلابه كثب المزار بعيده

ويكاد ينتعل الهلال إذا سرى … ويقلد الشمس المنيرة جيده

وقواضبا بيضا سقين دم العدا … فبدا على صفحاتها توريده

ومفاضة زغبا تضاعف نسجها … حلقاء قدر نسجها داوده

وحنية تحنو على سهم الردى … فيصيب شالكة الرمي سديده

أضحى الضلال بها يصوح نبته … وأخضر من دين الحنيفة عوده

أخليفة الرحمن والملك الذي … تنميه من أقيال خزروج صيده

ماذا ينمق في امتداحك مادح … لا ينزف البحر الخضم وروده

ما زهر روض الغور روضة الحيا … وحنت عليه بروقه ورعوده

وسرى سقيط الطل في أوراقه … بردا كدر أسلمته عقدوه

وكأنه في ضفة النهر انتشى … وغدا يبوح بسره عربيده

بجني ورد شج وجنته الندى … أو سوسن شقت عليه بروده

وتخال غصن البان فيه عابدا … ما إن يريم ركوعه وسجوده

بأنم من مسرى امتداح عاطر … يهدى إلى نادي علاك فريده

ألبست هذا الملك ثوب جلالة … يبقى على مر الجديد جديده

وعضدت دين الله بابن نصيره … حتى سما فوق السماء عموده

جاهدت دين الكفر حتى سمته … خسفا ورام السلم منك عنيده

وتبعت آثار النبي ميمما … مما أمه صديقه وشهيده

قابلت شهر الصوم منك بما به … ينهل من فضل الآلاء مزيده

ووصلت تم الليل منه بيومه … ذكرا يبلغه القبول صعوده

وشرعت للصدقات أصفى مشرع … يندى على حر الصدور بروده

فجزاك بالأجر الجزيل صيامه … وحباك بالنصر المؤزر عيده

فاهنأ به في الدهر أسعد قابل … طلعت بعز المسلمين سعوده

لما مررت إلى مصلاه ضحى … والترب يلثم أخمصيك صعيده

قضيت من حق الشريعة مقصدا … لزم الملوك الصالحين أكيده

فاخلد ودم وانعم بسابع نعمة … تترى وملك لا يثل مشيده

لا زال ذكرك في البسيطة دائما … يسري على كتد الزمان حميده

من كاد ملكك من عدو يبتغي … شرا فإن الله عنك يكيده