طرفٌ يراعي النَّجم وهو مؤرَّقُ – عبدالغفار الأخرس

طرفٌ يراعي النَّجم وهو مؤرَّقُ … وجوى ً تكاد به الجوانح تُحْرَقُ

ومع الذين أودهم لي في الدجى … عتب برقّ وعبرة تترقرق

إني لأذكرهم على شحط النوى … فتظلّ عيني بالمدامع تشرق

يا سعد قد ألف السهاد متيّمُ … دامي الحشاشة مستهام شيّق

ماذا تقول وكيف ظنّك بالكرى … أيراجع الأجفان وهو مطلَّق

أمْ هل يعود لنا الزمان بما مضى … من لهوه والعود غض مورق

أيام ترفل بالشباب وعيشنا … فيما تسرّ به النفوس منمق

واهاً لعيشك بين أكناف الحمى … وأحبّة بالجزع لم يتفرقوا

في منزل نشأت به زهر الرّيا … وسقاه ريقته السحاب المغدق

والروق تطربنا بسجع لحونها … والبان يرقص تارة ويصفّق

أمّا خمائله وأيّ خمائل … فالسندسُ المخضرُّ والإستبرق

كشف الربيع لنا مخايل وجهه … فيها وطاب صبوحنا والمغبق

فرياضنا زهر النجوم وكأسنا … يسعى بها ساقٍ أغنُّ مقرطق

برزت بنوّار الشقيق فلم يزل … بدر الدجنة عندها يتشقق

فكأنَّ كأس الراح برق لامع … وكأنَّ جنح الليل غيم مطبق

ومهفهف الأعطاف تحسب أنّه … قمر بدرُيّ النجوم ممنطق

يرنو إليك بمقلة سحّارة … تهوى ملاحتها القلوب وتشفق

أرأيت ما فعلت نواظر شادن … لم يلتفت لدم يطل ويهرق

يا أيها الرشأ الذي ألحاظه … ترمي بأسهمها القلوب وترشق

قلبي أسيرٌ في هواك معذب … فأنا المقيّد في هواك المطلق

ولقد أرقْت لك الدموع بأسرها … شوقاً فما لك لا ترقّ وترفق

هلاّ رجعت إلى وصال متيّم … شبّ الغرام وشاب فيه المفرق

فامنن عليَّ بقبلة تسخو بها … كرماً كما يتصدق المتصدق

هيهات فاتت بعد فائتة الصبا … لذاتنا اللاتي لها أتشوق

ذهبت ولم تذهب عليها حسرة … في كل يوم تستجّد وتخلق

وعفت منازل للهوى ومعالم … كان الزمان بها عليه رونق

أعِدِ الحديث عن الديار وقل لنا … بأبيك ما فعل الحمى والأبرق

لا جاز أرضك يا منازل مرعد … من عارض يسقي ثراك ومبرق

واعشوشبت منك البقاع وأينعت … منك الأزاهير التي تتأنّق

أنّى تغيّرت البلاد وأهلها … وأتى عليها الدهر وهو مفرق

وتبدلت تلك الوجوه بغيرها … غربت بدور ما هنالك تشرق

نعم الذين شقيت من أدبي بهم … فيما لقيت فما نعمت ولا شقوا

هذي هي الدنيا كما تريانها … حرم اللبيب بها وفاز الأحمق

فصبرت فيها والخطوب متاحة … لا ضاجر منها ولا أنا مشفق

حتى رأيت النائبات تقول لي … عجباً لصبرك كيف لا يتمرق

ومذ امتدحت أبا الجميل فلا يدي … صفر ولا أنا من نداه مملّق

حملت مناقبه الرواة بأسرها … فمغرّب بثنائه ومشرّق

من مبلغ الشعراء عنّي أنني … في الجدّ شاعره المجيد المفلق

وسواي في الشعراء عن ممدحه … راوٍ بمثل حديثه لا يوثق

غرّدت فيه مطوَّقاً بجميله … إنّ الحمام كما علمت مطوق

أنبأت عنه وكنت أصدق لهجة … ويسرّني أني أقول فأصدق

نبأٌ عن المجد الأثيل ومنبىء ٌ … تصغي له أُذُنُ الزمان فيطرق

لو بارز الليل البهيم أعانه … من صبح غرّته عليه فيلق

يسطو على الأرزاء سطوة ضيغم … إحدى براثنه السنان الأزرق

متصرف في البأس حيث وجدته … ما زال يفتق ما يشاء ويرتق

ويروق عند لقائه وعطائه … غيث يصوب وبارق يتألق

فكأنما العافون منه بروضة … أنهارها من كفّه تتدفق

فانظر إلى الأحرار وهي عبيده … بالبر إلاّ أنها لا تُعتَق

خلق الجميل بذاته لوجوده … خلقاً وها هو في سواه تَخَلُّقُ

كرم على عسر الزمان ويسره … لا يستقر المال حتى ينفق

ولقد كفاني الله فيه عصابة … لا أرتجيهم أبرقوا أم أرعدوا

والله يعلم أنَّ قدرك فوقهم … وعلاك في جوّ السماء محلّقُ

يا لابساً بُرْدَ الأبوّة والعلى … أرج الثناء بطيّ بردك يعبق

فلكم يضوع مكارماً ومفاخراً … يحيا بطيب أريجه المستنشق

لم تبصر العينان مثلك لاحقاً … للأولين وسابقاً لا يُلحق

أحييتَ مجداً رمّ بعد فنائه … فالمجد حيٌّ في حياتك يرزق

تفديك مما تشتكيه من الأذى … خلقٌ وددَت لو أنهم لم يخلقوا

وُفّقت للفعل الجميل وصنعه … إنّ الموفّق للجميل موفَّق

فسعى إلى جدواك كلُّ مؤمّلٍ … باب المواهب دونه لا يغلق

تملي عليك الشكر ألسِنة ٌ لها … يحلو لها لفظ ويعذب منطق