ضيف ألم برأسي غير محتشم – المتنبي

ضَيْفٌ ألَمّ برَأسِي غيرَ مُحْتَشِمِ … ألسّيفُ أحْسَنُ فِعْلاً منهُ باللِّمَمِ

إبْعَدْ بَعِدْتَ بَياضاً لا بَياضَ لَهُ … لأنْتَ أسْوَدُ في عَيني مِنَ الظُّلَمِ

بحُبّ قاتِلَتي وَالشّيْبِ تَغْذِيَتي … هَوَايَ طِفْلاً وَشَيبي بالغَ الحُلُمِ

فَمَا أمُرّ برَسْمٍ لا أُسَائِلُهُ … وَلا بذاتِ خِمارٍ لا تُريقُ دَمي

تَنَفّسَتْ عَن وَفاءٍ غيرِ مُنصَدِعٍ … يَوْمَ الرّحيلِ وشَعْبٍ غَيرِ مُلْتَئِمِ

قَبّلْتُها وَدُمُوعي مَزْجُ أدْمُعِهَا … وَقَبّلَتْني على خَوْفٍ فَماً لفَمِ

قد ذُقْتُ ماءَ حَياةٍ مِنْ مُقَبَّلِها … لَوْ صَابَ تُرْباً لأحيا سالِفَ الأُمَمِ

تَرنو إليّ بعَينِ الظّبيِ مُجْهِشَةً … وتَمْسَحُ الطّلَّ فَوْقَ الوَرْدِ بِالعَنَمِ

رُوَيْدَ حُكمِكِ فينا غيرَ مُنصِفَةٍ … بالنّاسِ كُلِّهِمِ أفديكِ من حكَمِ

أبدَيتِ مثلَ الذي أبدَيتُ من جَزعٍ … وَلَمْ تُجِنّي الذي أجنَيتُ من ألَمِ

إذاً لَبَزَّكِ ثَوْبَ الحُسنِ أصغَرُهُ … وَصِرْتِ مثليَ في ثَوْبَينِ من سَقَمِ

لَيسَ التّعَلّلُ بالآمَالِ مِن أرَبي … وَلا القَناعَةُ بالإقْلالِ من شِيَمي

وَلا أظُنّ بَناتِ الدّهْرِ تَتْرُكُني … حتى تَسُدّ علَيها طُرْقَها هِمَمي

لُمِ اللّيالي التي أخْنَتْ على جِدَتي … بِرِقّةِ الحالِ وَاعذِرْني وَلا تَلُمِ

أرَى أُناساً ومَحصُولي على غَنَمٍ … وَذِكْرَ جُودٍ ومحْصُولي على الكَلِمِ

وَرَبَّ مالٍ فَقِيراً مِنْ مُرُوءَتِهِ … لم يُثْرِ منها كما أثْرَى منَ العُدُمِ

سيَصحَبُ النّصلُ مني مثلَ مَضرِبِه … وَيَنجَلي خَبري عن صِمّةِ الصَّمَمِ

لقد تَصَبّرْتُ حتى لاتَ مُصْطَبَرٍ … فالآنَ أقْحَمُ حتى لاتَ مُقْتَحَمِ

لأترُكَنّ وُجوهَ الخَيْلِ ساهِمَةً … وَالحرْبُ أقوَمُ مِن ساقٍ على قَدَمِ

والطّعْنُ يُحرِقُها وَالزّجرُ يُقلِقُها … حتى كأنّ بها ضَرْباً مِنَ اللَّمَمِ

قَد كَلّمَتْها العَوالي فَهْيَ كالحَةٌ … كأنّما الصّابُ مَذرُورٌ على اللُّجُمِ

بكُلّ مُنصَلَتٍ ما زالَ مُنْتَظري … حتى أدَلْتُ لَهُ مِنْ دَولَةِ الخَدمِ

شَيخٌ يَرَى الصّلواتِ الخَمسَ نافلةً … ويَستَحِلّ دَمَ الحُجّاجِ في الحرَمِ

وكُلّما نُطِحَتْ تحْتَ العَجاجِ بهِ … أُسْدُ الكتائبِ رامَتْهُ ولم يَرِمِ

تُنسِي البِلادَ بُرُوقَ الجَوّ بارِقَتي … وتَكتَفي بالدّمِ الجاري عَنِ الدِّيَمِ

رِدِي حِياضَ الرّدى يا نفسِ وَاتّركي … حياضَ خوْفِ الرّدى للشّاء والنَّعَمِ

إنْ لم أذَرْكِ على الأرماحِ سائِلَةً … فلا دُعيتُ ابنَ أُمّ المَجدِ والكَرَمِ

أيَمْلِكُ المُلْكَ وَالأسيافُ ظامئَةٌ … وَالطّيرُ جائِعَةٌ لَحْمٌ على وَضَمِ

مَنْ لَوْ رَآنيَ ماءً ماتَ مِنْ ظَمَإٍ … وَلَوْ عَرَضْتُ لهُ في النّوْم لم يَنمِ

ميعادُ كلّ رَقيقِ الشّفرَتينِ غَداً … ومَن عصَى من ملوكِ العُرْبِ والعجمِ

فإنْ أجابُوا فَما قَصدي بهَا لَهُمُ … وَإنْ تَوَلّوْا فَمَا أرْضَى لَها بهمِ