صحراء II – أدونيس

1

… في زمانٍ يُصارحني: لَسْتَ مِنّي

وأصارحُه: لستُ منكَ، وأجهد أن أفهَمَهْ…

وأنا الآن طيفٌ

يَتشرّدُ في مَهْمَهٍ

ويُخيّم في جمجمهْ.

2

ألفضاءُ مدىً يَتضاءَلُ، نافذةٌ تتناءَى،

والنّهارُ خيوطٌ

تتقطّع في رئتيّ وتَرْفو المساءَ.

صخرةٌ تحت رأسي،

كلّ ما قلتُه عن حياتي وعن مَوتِها

يتكرّر في صمتِها.

3

أتناقَضُ؟ هذا صحيحٌ

فأنا الآنَ زرعٌ وبالأمس كنتُ حَصاداً

وأنا بين ماءٍ ونار

وأنا الآن جمرٌ ووردٌ

وأنا الآن شمسٌ وظِلٌّ

وأنا لستُ رَبّاً

أتناقَضُ؟ هذا صحيحٌ…

4

مُغلَقٌ بابُ بيتي

والظّلامُ لِحافٌ،

قمرٌ شاحبٌ حامِلٌ في يديهْ

حفنةً من ضياءٍ،

عجزت كلماتي

أن توجّهَ شكري إليهْ.

5

أغلقَ البابَ، لا ليقيّدَ أفراحَهُ

… لِيُحرِّرَ أحزانَهُ.

6

كلّ شيءٍ سيأتي، قديمٌ

فاْصطحبْ غيرَ هذا الجنونِ تهيّأ

كي تَظلّ غريباً…

7

لم تعد تُشرقُ الشمسُ: تَنْسل في خِفْيةٍ

وتُواري

قدميها بِقشٍّ…

8

أتَوقّع أن يأتي الموتُ، ليلاً

أن يُوَسّد أحضانَهُ

وردةٌ

تعبتْ من غبارٍ يُغطّي جبينَ السّحَرْ

تعبت مِن زفير البشَرْ.

9

يهبطُ اللّيلُ [هذا

وَرَقٌ كان أعطاهُ للحِبْر حِبْر الصّباح الذي لم

يَجِئْ]

يهبط الليلُ فوق السرير [ الذي كان هيّأهُ

عاشقٌ لم يَجئْ]

يهبط اللّيل لا صوت [ غيْمٌ، دخانٌ…]

يهبط الليل [ شخصٌ

في يديهِ: ارانبُ؟ نمْلٌ؟]

يهبط الليل [ سورُ البناية يَهتزُّ ، كلّ السّتائر شفّافةٌ]

يهبط اللّيل، يُصْغي:

[ أنجمٌ مثلما يعرف اللّيل خرْساءُ

والشجرات الأخيرة في آخر السّورِ لا تتذكّرُ

ماذا يقول الهواءُ لأغصانها]

يهبط اللّيل [بين النّوافذ والرّيح همْسٌ]

يهبط الليل [ضوءٌ تسّربَ، جارٌ

يَتمدّدُ في عُرْيِه]

يهبط الليلُ [شخصانِ، ثوبٌ يعانقُ ثوباً

والنوافذ شفّافةٌ]

يهبط الليل [هذا مزاجٌ

قمرُ اللّيل يشكو لسِرْوالِه

ما شَكاهُ المحبّون دوماً]

يهبط اللّيل [يرتاح في جَرّةٍ

مُلِئَتْ خمرةً لا ندامى

رَجلٌ واحِدٌ يتقلّبُ في كأسِهِ]

يهبط اللّيل [يحملُ بعضَ العناكِب، يرتاح للحشراتِ التي

لا تُسيءُ

لغير البيوتِ/ إشاراتُ ضوءٍ:

أَملاكٌ أتى؟ أم قذائفُ، أم دعواتٌ؟

وجاراتُنا

كُلّهن ذهبْنَ إلى الحجّ عدن أقلَ ضُموراً، وأكثر

غُنجاً]

يهبط اللّيل [يدخل بين ثُديّ الأيامى

وجاراتُنا أيَامَى]

يهبط اللّيل [تلك الأريكة تلك الوسادةُ: هذي ممرٌ

وهذي مَقرٌّ]

يهبط اللّيل [ماذا نُعدّ؟ نبيذاً؟ أم ثريداً ولحماً؟

يُخبئ اللّيل عنّا شهيّة أحشائه]

يهبط الّيل [يلهو قليلاً

مع حلازينِه،

مع يَمامٍ غريبٍ، ونجهلُ من أين جاءَ، ومع حَشَراتٍ

لم تردْ في فصولِ الكتابِ الذي خطّهُ اللّقاحُ عن

الحيوانِ وأجناسِهِ]

يهبط الليل [رعْدٌ

أم ضجيجُ الملائِكِ جاءت بأفراسِها؟]

يهبط الليل [يَهْذي

يتقلّب في كأسِه…]

10

مَن يُريني كوكباً

يمنحني الحِبْرَ لكي أكتبَ ليلى؟

11

كتبَ القصيدةَ،

(كيف أقنعهُ بأنّ غدي صحَارى؟)

كتبَ القصيدةَ،

(من يزحزح صخرة الكلمات عنّي؟)

كتبَ القصيدةَ،

(لستَ مِنّا، إن أنتَ لم تقتل أخاً)

كتبَ القصيدةَ،

(كيف نفهم هذه اللّغة الطريدَهْ

بين التّساؤل والقصيده؟)

كتبَ القصيدةَ،

(هل سيقدر ذلك الفجرُ المشرّدُ،

أن يعانِقَ شمسَهُ؟)

كتبَ القصيدةَ،

(بين وجه الشمس والأفُقِ التباسٌ)

كتبَ القصيدةَ، (فَلْيَمُتْ…)

12

أتكَلّمُ؟ عن أيّ شيءٍ؟

وبأي اتّجاهٍ أسيرُ؟

سألتكَ يا نَوْرَساً يتموّج في زُرْقَةِ البَحْرِ…/كلا

من يقولُ: سألتُ، ومن قال:

أَسْتَشْرِفُ البحرَ، أو أتحدّثُ مع نَوْرَسٍ؟

لم أكنْ،

لم أسِرْ،

لم أقُلْ…

13

سَأُناقُضُ نَفسي

سأضيفُ إلى معجمي:

لُغتي لستُ منها، فمي

لم يكن مرّةً فمي

آهِ، يا نجمة الخرابِ، ويا وردةَ الدّمِ.

14

كان لي أَنْ أُمَزّقَ، أنْ أَتَناثَرَ في غابةٍ من لَهَبْ

كي أضيءَ الطّريقْ،

مُدّ لي يَدكَ الحانيه

رُدّ ما أخذتْهُ لياليك من شمسَ الدّاميهْ

أيّهذا الصديقْ

أيّهذا التّعَبْ.

15

كلّ ما أنكرتْهُ العيون سَتَرْعاهُ عيني،

ذاك عهد الصّداقة بين الخراب وبيني.

16

منذُ أسْلمتُ نفسي لنفسي، وساءَلْتُ:

ما الفَرْقُ بيني وبين الخرابْ؟

عشتُ أقصى وأجملَ ما عاشه شاعِرٌ:

لا جوابْ.

17

بعدَ أن مَزّقَ الشعر ثوب الزّمانْ

صرتُ أدعو الرّياحَ لأهديَها، لِتصيرَ يداها

إبَراً

كي تخيطَ بأشلائِه المكانْ.

18

ما الذي لامَسَ المتنبّئُ

غيرَ التّرابِ الذي وطئتهُ خُطاهُ؟

هكذا

لم يَخُنْ ما تَراءَى له

في نَبُوءاتِهِ، سِواهُ.

19

لا تموتُ لأنّكَ مِن خالقٍ،

أو لأنّكَ هذا الجَسَدْ

أنتَ ميتٌ لأنّكَ وَجهُ الأبَدْ.

20

لِيَكنْ،

مِن حَقّ أحلاميَ أن تُهمل جسمي

ولجسمي أن يخونَ الأرَقَ السّابحَ فيهِ…

21

يَنْبغي أن أدعُوَ الذّئبَ لكي يجلوَ مِرآةَ خِرافٍ

نسيت صورَتها…

22

لم نَعُدْ نتلاقى

لم يعد بيننا غيرُ نَبْذٍ ونَفْيٍ،

والمواعيد ماتت، وماتَ الفّضاءْ،

وَحْدهُ الموتُ صارَ اللّقاءْ.

23

زهرةً

أغْوتِ الرّيحَ كي تنقلَ الرّائِحهْ

ماتتِ البارحهْ.

24

تَعبي يرقدُ عصفوراً، سأبقى

مثلَ غُصْنٍ:

لن أبوحَ الآنَ، لن أوقِظهُ…

25

الغطاءُ يُشَقُّ، ويُفْتَضَحُ الترجمانْ

في الحريق الذي يلبس الآنَ وجهَ المكانْ.

26

مقْهى والبحرُ، اليومَ، ينامُ كطفلٍ/

هذا وجهٌ اعرفُهُ أهلاً، كيف الحالُ، وهذا

صوتٌ أذكرُهُ…

لم يأتِ الفوّالُ اليومَ…

مريضٌ؟ أمْ هُجِّر؟

مجهولونَ رَموهُ

في بِئْرٍ…

…/ والبحرُ ينامُ، اليومَ، كطفلٍ…

27

لَسْتَ هذي المدينةَ أو تلك،

لستَ الإقامَةَ والذكْرياتِ/ الأقاصي رهانُك لكنْ

خطواتُك مذعورةٌ

وتواريخُ ذاك الفضاءِ الذي كنتَهُ

طيوفٌ

وبَوَارِقُ من شُعلةٍ تتلاشى…

28

خالِقٌ يأكلُه الخَلْقُ، بلادٌ

في الدّم الدّافِقِ من أشلائها تخْتَبِئُ،

إنه العَصْرُ الذي يبتدئُ.

29

كلّما قلتُ: هذي بلاديَ تدنو

وتُثمر في لغةٍ دانيهْ

قَذفتني إلى بلدٍ آخرٍ

لغةٌ ثانيهْ.

30

شَجَرٌ ينحني ليقولَ وداعاً

زَهَرٌ يتفتّح ، يزهو، ينكّس أوراقَه ليقولَ وداعاً

طوقٌ كالفواصِلِ بين التّنفس والكلمات تقول وداعاً

جسدٌ يلبس الرّمل، يسقط في تيهِهِ ليقول وداعاً

ورقٌ يعشق الحِبْر

والأبجديّةَ والشعراء يقول وداعاً

والقصيدة قالت وداعاً.

31

كلّ ذاك اليقين الذي عشتُه، يتلاشى

كلّ تلك المشاعِل من شهواتي وأشيائها، تَتَلاشى

كلّ ما كان بيني وبين الوجوه المضيئة في هجرتي، تتلاشى

أبدأ الآنَ من أوّلٍ.

32

يتساقطون، الأرضُ خيطٌ من دخانٍ

وأظنّ أنّ الوقت قافلةٌ

تسير وراءهُ…

0