سقى دارهم هام من السحب هامع – لسان الدين الخطيب

سقى دارهم هام من السحب هامع … ولا أجدبت تلك الربى والأجارع

ينوب عن الأجفان في عرصاتها … إذا كل منها عارض متتابع

وحيا بها عهدا إذ العيش ناعم … نضير وإذ روض الشبيبة يانع

وقفنا عليها الركب يوما وبعده … وثالث يوم واقتضى السير رابع

نعفر في الآثار حر خدودنا … ونشكو إلى الأطلال ما البين صانع

فكم قد روت عنابها تلكم الربى … أحديث شكوى سلسلتها المدامع

معاهدنا التي محت حسنها النوى … ترى هل ليالي الأنس فيك رواجع

ويسكن قلب من بعادك خافق … ويرقأ جفن من فراقك دامع

يمينا بعهد القرب فيك إذ الهوى … قشيبا وإذ شمل الأحبة جامع

لما خامر السلوان بعد قلوبنا … ولا عرفت منا الجنوب المضاجع

وإنا ليعرونا إليك تشوق … إذا لاح برق من ثناياك لامع

ومن عجب أن خاننا فيك عزمنا … ولا العهد منسي ولا الحي شاسع

وما أن تنكبنا الوفاء طريقة … ولا برحت تحنو عليه الأضالع

ولكننا جئنا من الأرض جنة … فهل للعباد الفائزين مشارع

فأبصارنا وقف على كل منضر … يروق وفيها ما تلذ المسامع

ومن حل هذا الملك لم يبق بعده … رحيلا ولم ينزع به عنه نازع

حللنا من الأنصار حيا بنوره … أضاءت لأرباب اليقين المطالع

وغابا لأسد الله دون مرامه … جنود السموات الطباق تدافع

فإن غال خطب فهوى مأوى من الردى … وإن جل ذنب فهو في الذنب شافع

وفاضت علينا من مواهب يوسف … بحار لغلات الظماء نواقع

ولاحت لنا من بشره ونواله … سحاب هوام أو شموس طوالع

فلم نر من قبل استلام يمينه … بحار نوال قيل هن أصابع

ألا هكذا فليحرز المجد ربه … وتبنى المعالي أو تربى الصنائع

أمير العلا لولاك لم تنب روعة … ولم تعرف النوم العيون الهواجع

ولا سكنت هذي الجزيرة برهة … وأصبحت الأوطان وهي بلاقع

ولا عرف الحق المبين من الهوى … ولا مثلت للسالكين المهايع

ولما استشاط الكفر بين بلادها … وقادته لاستئصالهن المطالع

أعدك فيها الله تنصر دينه … وتصدع بالحق الذي أنت صادع

وتمضي كما يمضي القضاء بقدرة … من الله لا يلفى لها الدهر دافع

وكتبت من أسد الحفاظ كتائبا … إذا ثوب الداعي أتته تسارع

إذا سحبوا ذيل الدروع إلى الوغى … كما تسحب السحب البدور الطوالع

تحركت الأجبال واشتعل الفلا … وزلزل من هذي البسيطة وادع

وأعددت من غر الجياد صوافنا … تغار بأدناها البروق اللوامع

مطهمة جردا لها من دم العدا … شيات ومن نسج القتام البراقع

ومنصلت كالصبح أشهب ساطع … وأحمر وردي وأصفر فاقع

لديهن من زال الرمال إذا انثنت … تسيل ومن ظبى الفلاة أسارع

وثقفت من سمر الرماح ذوابلا … بأقلامها فيهم تخط الوقائع

فأصبح جمع الكفر دون نزالها … كما تترك النبت الهشيم الزعازع

يؤمل بالسلم انتظام شتاته … وهيهات يرجى وصل ما الله قاطع

فبابك مرجو وبأسك متقى … ورفدك مبذول وعدلك شاسع

وملكك منصور وحزبك غالب … وسيفك أناف الضلالة جاذع

لك الله ما أمضى سيوفك كلما … توقع من مر الحوادث واقع

ومن ذا له جد كجدك أو أب … إذا عددت آباءهن التتابع

لقد أبصرت منك النواظر ملئها … غداة بدا من غرة العيد طالع

برزت على رجل الجلال إلى التي … ترفع من مثواك ما الله رافع

وأحييت للدين الحنيف شرائعا … بأنصار دين الله تحيا الشرائع

وقد زحفت يغشي العيون رواؤها … صفوف من الفرسان وهي دوارع

فلما قضيت العيد سنة نحره … وأطعم معتر هناك وقانع

رجعت إلى دار الخلافة والعلا … فضاءت بنور الهدي تلك المرابع

وعرضت للتقبيل كفا كريمة … تفيض على الطلاب منها ينابع

وذاعت بروض المدح فيك مدائح … كما ذاع من أنفاس دارين ذائع

فيهنيك في الأعياد أسعد قادم … يخبر أن الفتح من بعد تابع

أطل فحيانا بطل سروره … لقد عذبت منه لدينا المواقع

فدم ملجأ للدين تحمي ذماره … إذا دهمت يوما بنيه المفازع

كأن بك قد أحرزت كل ممنع … بعيد فلم يمنعه دونك مانع

وأصبح ملك الروم نهبا وأصبحت … تحكم في غلب الرقاب الجوامع

ودانت لك الدنيا وأصبح شملها … بعيد افتراق وهو بالدين جامع

وإني لأرجو الله حتى كأنني … أرى بجميل الظن ما الله صانع