سقى أريحاء الغيث وهي بغيضة – الفرزدق

سَقَى أرْيِحَاءَ الغَيْثُ وَهي بَغِيضَةٌ … إليّ وَلَكِنْ بي ليُسقَاهُ هَامُهَا

مِنَ العَينِ مُنْحَلُّ العَزالي تَسُوقُهُ … جَنُوبٌ بِأنْضَادٍ يَسُحّ رْكَامُهَا

إذا أقْلَعَتْ عَنْهَا سَمَاءٌ مُلِحّةٌ … تَبَعّجَ مِنْ أُخْرَى عَلَيْكَ غَمامُها

فَبِتُّ بِدَيْرَيْ أرْيْحاءَ بِلَيْلَةٍ … خُدارِيّةٍ، يُزْدادُ طُولاً تَمَامُهَا

أُكَابدُ فيهَا نَفْس أقْرَبِ من مشَى … أبُوهُ لِنَفْسٍ مَاتَ عَني نِيَامُهَا

وَكَان إذا أرْضٌ رَأتْهُ تَزَيّلَتْ … لِرُؤيَتِهِ صَحْرَاؤهَا وَإكَامُهَا

تَرَى مَزِقَ السّرْبالِ فوْقَ سَمَيَدعٍ، … يَدَاهُ لأيْتَامِ الشّتَاءِ طَعَامُهَا

على مِثْلِ نَصْلِ السّيْفِ مزّق غمدَهُ … مَضَارِبُ مِنْهُ، لا يُفَلّ حُسَامُهَا

وَكَانَتْ حَيَاةَ الهَالِكِينَ يَمِينُهُ، … وَللنِّيبِ والأبْطَالِ فيها سِمَامهَا

وَكَانَتْ يَدَاهُ المِرْزَمَينِ، وَقِدْرُهُ … طَوِيلاً بِأفْنَاءِ البُيُوتِ صِيَامُهَا

تَفَرَّقُ عَنْهَا النّارُ، وَالنّابُ تَرْتمي … بِأعْصَابِهَا أرْجَاؤهَا وَاهْتِزَامُهَا

جِمَاعٌ يُؤدّي اللّيْلُ من كُلِّ جَانبٍ … إلَيها إذا وَارَى الجِبَالَ ظَلامُهَا

يَتَامَى على آثَارِ سُودٍ، كَأنّهَا … رِئَالٌ دَعَاهَا للمَبِيتِ نَعَامُهَا

لمَنْ أخْطَأتْهُ أرْيِحَاءُ لَقَدْ رَمَتْ … فَتىً كَانَ حَلاّلَ الرّوَابي سِهَامُهَا

لَئِنْ خَرّمَتْ عَني المَنَايَا مُحَمّداً، … لَقَدْ كانَ أفنى الأوّلينَ اخْتِرَامُهَا

فَتىً كَانَ لا يُبْلي الإزَارَ وَسَيْفُهُ … بهِ للمَوَالي في التّرَابِ انْتِقَامُهَا

فَتىً لمْ يَكُنْ يُدْعَى فَتىً ليس مثلَهُ … إذا الرّيحُ ساقَ الشَّوْلَ شلاًّ جَهامُهَا

فَتىً كَشهَابِ اللّيْلِ يَرْفَعُ نَارَهُ، … إذا النّارُ أخْبَاها لَسارٍ ضِرَامُهَا

وَكُنّا نَرَى مِنْ غَالِبٍ في مُحَمّدٍ … خَلايِقَ يَعْلُو الفَاعِلِينَ جِسَامُهَا

تَكَرُّمَهُ عَمَا يُعَيَّرُ، وَالقِرَى، … إذا السّنَةُ الحَمْرَاءُ جَلّحَ عَامُهَا

وَكَانَ حَيّاً للمُمْحِلِينَ وَعِصْمَةً، … إذا السّنَةُ الشّهْبَاءُ حَلّ حَرَامُهَا

وَقدْ كانَ مِتْعابَ المَطيّ على الوَجَا، … وبَالسّيْفِ زَادُ المُرْمِلِينَ اعتِيامُهَا

وَمَا مِنْ فَتىً كُنّا نَبِيعُ مُحَمّداً … بهِ حينَ تَعْتَزّ الأُمُورُ عِظَامُهَا

إذا مَا شِتَاءُ المَحْلِ أمسَى قد ارْتدى … بمِثْلِ سَحِيقِ الأُرْجُوَانِ قتامُهَا

أقُولُ إذا قَالُوا وَكَمْ منْ قَبِيلَةٍ … حَوَالَيْكَ لمْ يُترَكْ عَلَيْها سِنَامُهَا

أبَى ذِكْرَ سَوْرَات إذا حُلّتِ الحُبى، … وَعندَ القِرَى، وَالأرْضُ بالٍ ثُمامُهَا

سأبكيكَ ما كانَتْ بنَفْسِي حُشاشَةٌ، … وَما دَبّ فوْقَ الأرْضِ يَمشِي أنامُهَا

وَمَا لاحَ نَجْمٌ في السّمَاء، وَما دَعا … حَمامَةَ أيْك فَوْقَ سَاق حَمامُهَا

فَهلْ تَرْجِعُ النّفس التي قد تَفرّقَتْ … حَياةُ صَدىً تَحتَ القُبُورِ عِظامُهَا

وَليسَ بمَحْبُوسٍ عن النفس مُرْسلٌ … إلَيها، إذا نَفْسٌ أتَاهَا حِمَامُهَا

لَعمْرِي لَقَدْ سَلّمتُ لَوْ أنّ جِثَوةً … عَلى جَدَثٍ رَدّ السّلامَ كَلامُها

فَهَوّنَ وَجْدي أنْ كلّ أبي امرِىءٍ … سَيُثكَلُ، أوْ يَلقاهُ مِنها لزَامُهَا

وَقَدْ خَانَ مَا بَيْني وبَينَ مُحَمّدٍ … لَيَالٍ وَأيّامٌ تَنَاءَى التِئَامُهَا

كما خانَ دَلْوَ القَوْمِ إذْ يُستَقى بها … من المَاءِ من مَتنِ الرِّشاءِ انجذامُهَا

وَقَدْ تَرَكَ الأيّامُ لي بَعْدَ صَاحِبي … إذا أظْلَمَتْ عَيْناً طَوِيلاً سِجامُهَا

كَأنّ دَلُوحاً تَرْتَقَى في صُعُودِها، … يُصِيبُ مَسِيلَيْ مُقْلَتَيّ سِلامُهَا

على حُرّ خَدِّي مِنْ يَدَيْ ثَقَفِيّةٍ … تَنَاثَرَ مِنْ إنْسَانِ عَيْني نِظامُهَا

على حُرّ خَدِّي مِنْ يَدَيْ ثَقَفِيّةٍ … تَنَاثَرَ مِنْ إنْسَانِ عَيْني نِظامُهَا

لَعَمرِي لَقد عَوّرْتُ فَوْقَ مُحَمّدٍ … قَلِيباً بِهِ عَنّا، طَويلاً مُقَامُهَا

شَآمِيّةَ غَبْرَاءَ لا غُولَ غَيرُهَا، … إلَيها مِنَ الدّنيا الغَرُورِ انْصِرَامُهَا

فَلِلّهِ مَا اسْتَوْدَعْتُمُ قَعْرَ هُوّةٍ، … وَمِنْ دُونِهِ أرْجَاؤهَا وَهُيَامُهَا

بِغَوْرِيّةِ الشّأمِ التي قَدْ تَحُلّهَا … تَنُوخُ، وَلَخْمٌ أهلُها وَجُذامُهَا

وَقَدْ حَلّ داراً عَنْ بَنِيهِ مُحَمّدٌ … بَطِيئاً، لمَنْ يَرْجُو اللّقَاءَ، لمَامُهَا

وَمَا مِنْ فِرَاقٍ غَيرَ حَيْثُ رِكَابُنَا … على القَبرِ مَحْبُوسٌ عَلَينا قِيامُهَا

تُنَادِيهِ تَرْجُو أنْ يُجِيبَ وَقَدْ أتى … من الأرْضِ أنضَادٌ عَلَيهِ سِلامُهَا

وَقَدْ كَانَ مِمّا في خَليلَيْ مُحَمّدٍ … شَمَائِلُ لا يُخشَى على الجارِ ذامُها