سقانيها معتَّقَة ً عقاراً – عبدالغفار الأخرس

سقانيها معتَّقَة ً عقاراً … وقد ألْقَتْ يد الفجر الإزارا

ودار بها مشعشعة علينا … فدار الأنسُ فينا حيث دارا

إذا ما زفَّها الساقي بَليْلٍ … أعاد الليل حينئذ نهارا

تشق حشاشة الظلماء كأسٌ … كما أوقدتَ في الظلماء نارا

جلاها في الكؤوس لنا عروساً … وقد جعل الجمان لها نثارا

يتوّجها الحباب بتاج كسرى … إذا مزجت ويلبسها سوارا

فقبل المزج تحسبها عقيقاً … وبعد المزج تحسبها نضارا

جلاها فانجلت عنّا هموم … وفرت كلّما جُلِبَتْ فرارا

فأدركت الندامى بالحمّيا … من الهمّ الذي في القلب ثارا

وكم من لذة ٍ بكميتِ راح … أغرناها فأبعدنا المفارا

ويعذرني الشباب على التصابي … بصبوة مغرم خلع العذارا

وما أهنا المدام بكف ساق … كمثل البدر أشرق وکستنارا

بروحي ذلك الرشأ المفدّى … وإنْ ألفَ التجنّب والنفارا

وأين الضبي من لفتات أحوى … يضاهيه التفاتاً واحورارا

رنا فأصابَ بالألحاظ منا … فؤاداً بالصبابة مستطارا

مليحٌ ما تصبّر في هواه … محبٌّ لم يجد عنه اصطبارا

وما أنسى غداة الشَّرب أمست … بناظره وريقته سكارى

أَلا يا ممرضي بسقام طرف … أصاب من الحشا جرحاً جبارا

فؤادى مثل طرفك بانكسارٍ … فكلٌّ يشتكي منك کنكسارا

غرامي في هواك بلا کختياري … وما كان الهوى إلاّ اضطرارا

مضى وتصرَّمَتْ تلك التّصابي … فإنّ عاد الصبا عاد ادّكارا

فوا لهفي على أوقات لهو … قضيناها وإنْ كانت قصارا

تركت الشعر لما ألبستني … من الأكدار أيامي شعارا

ولولا مدح مولانا عليّ … لما جُدْتُ النظام ولا النثارا

أجلّ السادة الأشراف قدراً … وأرفعهم وأطيبهم نجارا

وأرأفهم على الملهوف قلباً … وأسرعهم إلى الحسنى بدارا

جواد في الأكارم لا يبارى … وبحر في المكارم لا يجارى

إذا نظر الكبار إلى علاه … رأت في المجد أنفسها صغارا

وقد سَبق الأعالي في المعالي … فما لحقت له فيها غبارا

وساجله السحاب فكان أندى … يداً منها وأعظمها قطارا

وكم عام منعنا القطر فيه … فأمطرنا لجيناً أو نضارا

وكم شاهدت في الأيام عسراً … ولذت به فشاهدت اليسارا

لنا في فضله غرس الأماني … جَنَيْناها بدولته ثمارا

وكم أكرومة ٍ عذراءَ بكرٍ … يجيىء ُ بها إلى الناس ابتكارا

يُهينُ أَعزَّ ما ملكت يداه … بوافر نيله ويعزّ جارا

أَلَسْتُم في الحقيقة آل بيت … عَلَوْا جُوداً وفضلاً واقتدارا

عليكم تنزل الآيات قدماً … فحسبكمُ بذالكمُ افتخارا

أقمتم ركن هذا الدين فيها … وأوضحتم لطالبه المنارا

جزيتم عن جميع الناس حيراً … وما زلتم من الناس الخيارا

بنفسي منك قرماً هاشمياً … يجير من الخطوب من کستجارا

تَقُدّ حوادث الأيام قَدّاً … فأنت السيف بل أمضى شفارا

بسرّ نداك قام الشعر فينا … فأثنينا عليك به جهارا

نقلّدُ من مناقبك القوافي … بأحسن ما تَقَلَّدَتِ العذارى

لبست من الثناء عليك حلياً … لعمرك لن يباع ولن يعارا

يضوع شميمه في كل نادٍ … كما نشرت صبا نجدٍ عرارا

فلا زالت لك الأيام عيداً … ولا شاهدت في الدنيا بوارا