سؤالك هذا الربعَ أين جوابه؟ – عبدالغفار الأخرس

سؤالك هذا الربعَ أين جوابه؟ … ومن لا يعي للقول كيف خطابُهُ؟

وقفتِ وما يغنيكِ في الدار وقفة … سقى الدار غيث مستهل سحابة

غناؤكِ في تلك المنازل ناظر … بدمع توالى غربُه وانسكابه

إلى طلل أقوى فلم يك بعدها … بمغنيك شيئاً قربه واجتنابه

ذكرتِ كأيام الشبيبة عهده … وهل راجع بعد المشيب شبابه

وقد كان ذاك العيش والغصن ناعم … يروق ويصفو كالرحيق شرابه

وجدت لقلبي غير ما تجدينه … أسى ً في فؤادي قد أناخ ركابه

يفض ختام الدمع يا ميَّ حسرة … ذهاب شباب لا يرجّى إيابُه

ودهرٍ أعاني كل يوم خطوبه … وذلك دأبي يا أميم ودأبه

مسوقٌ إلى ذي اللب في الناس رزؤه … ووقفٌ على الحر الكريم مصابه

وحسبك مني صبر أروع ماجد … بمستوطن ضاقت بمثلي رحابه

يبيتُ نجيَّ الهم في كل ليلة … يطول مع الأيام فيها عتابه

قضى عجباُ منه الزمان تجلُّداً … وما ينقضي هذا الزمان عجابه

تزاد عن الماء النمير أسوده … وقد تلغ العذب الفرات كلابه

ألم يحزن الآبي رؤوس تطامنت … وفاخر رأس القوم فيها ذنابه

وأعظم بها دهياء وهي عظيمة … إذا اكتنف الضرغامَ بالذل غابه

متى ينجلي هذا الظلام الذي أرى … ويكشف عن وجه الصباح نقابه

وتلمع بعد اليأس بارقة المنى … ويصدق من وعد الرجاء كذابه

ومن لي بدهر لا يزال محاربي … تُفَلُّ مواضيه وتنبو حِرابُهُ

عقور على شِلوي يعضُ بُنابه … وتعدو علينا بالعوادي ذئابه

رمته الروامي بالسباب مذمَّة … وما ضرّ في عِرضِ اللئيم سبابُه

تصفحت إخواني فلم أر فيهمُ … قويماً على نهج الوفاء اصطحابه

ألإي الناس لا والله من في إخائه … تشدُّ على العظم المهيض عصابه

يساورني كاس الهموم كأنّما … يمجُّ بها السمَّ الزعاف لعابه

وأبعد ما حاولت حرّاً دنوُّه … دنوك مما يرتضي واقترابه

نصيبك منه شهده دون صابه … إذا كان ممزوجاً مع الشهد صابه

يريك الرضا والدهر غضبان معرض … وترجوه للأمر الذي قد تهابه

ورأيك ليست في المشارع شرعة … ولا منهل عذب يسوغ شرابه

وماالناس إلاّ مثلما أنت عارف … فلا تطلبنَّ الشيء عز طلابه

بَلَوتُ بهم حلوَ الزمان ومرَّه … فسيّان عندي عذبه وعذابه

كأنّي أرى عبد الغني بأهله … غريب من الأشراف طال اغترابه

يميّزه عنهم سجايا منوطة … بأروع من زهر النجوم سخابه

ثمين لئالي العقد حالية به … من الفضل أعناق الحجى ورقابه

إذا ناب عن صرب الغمام فإنه … إذا لم يصب صوب الغمام منابه

تألق فانهلّت عزاليه وارتوى … به حزن راجيه وسالت شعابه

أتعرف إلاّ ذلك القرم آبياً … على الدهر يقسو أو تلينُ صلابه

تسربل فضفاض الأبوة كلَّها … وزُرَّت على الليث الهصور ثيابه

ولم ينزل الأرض التي قد تطامنت … ولو أن ذاك الربع مسكاً ترابه

لقد ضربت فوق الرواسي وطنبتْ … على قُلَل المجد الأثيل قبابه

فأصبحت الشُّم العرانين دونه … وحلَّق في جوّ الفخار عُقابه

أبى الله والنفس الأبيّة أن يُرى … بغير المعالي همُّه واكتئابه

فدانت له الأخطار بعد عتوِّها … وذلّت له من كل خطب صعابه

ولو شاء كشف الضرّ فرّق جمعه … وما فارق العضب اليماني قرابه

ومجتهدٍ في كلّ علمِ أبيَّة ٍ … فلا يتعداها لعمري صوابه

بفكرٍ يرى ما لا يرى فكر غيره … يشقّ جلابيب الظلام شهابه

مقيم على أنْ لا يزال قطاره … يصوب وهذا صوبه وانصبابه

وإمّا خلا ذاك الغمام فمقلع … وعمّا قليل يضمحل ضبابه

وناهيك بالندب الذي إنْ ندبته … كفاك مهمّات الأمور انتدابه

ذباب حسام البأس جوهر عضبه … وما الصارم الهندي لولا ذبابه؟

عليم بما يقني الثناء وعامل … وداعٍ إلى الخيرَ العظيم مجابه

إذا انتسب الفعل الجميل فإنّما … يكون إلى رب الجميل انتسابه

هل الفضل والإحسان إلاّ صنيعه … أمْ الحمد والشكران إلاّ اكتسابه؟

وإنّي مكتى أخليت من ثروة الغنى … وأغلق من دون المطامع بابه

بدا لي أن أعشو إلى ضوء ناره … وأصبو إلى ذاك المريع جنابه

فأصدرني عنه مصادر وارد … من اليمّ زخّار النوال عبابه

وأصبحُ مرموق السعادة بعدما … خلتْ ثمَّ لا زالت ملاءً وطابه

إذا ذهب المعروف في كل مذهب … إليك برغم الحادثات مآبه

فلست تراني ما حييت مؤملاً … سواك ولم يعلق بي النذل عابه

ولا مستثيباً من دنيٍّ مثوبة ً … حرام على الحرِّ الأبيّ ثوابه

وغيرك لم أرفع إلى شيم برقه … ولا غرّني في الظامئين سرابه