رَمَتْ بِخُيُوطِ النُّورِ كَهْرَبَة ُ الْفَجْرِ – محمود سامي البارودي

رَمَتْ بِخُيُوطِ النُّورِ كَهْرَبَة ُ الْفَجْرِ … ونمَّت بأسرار النَّدى شفة ُ الزهرِ

وسارت بأنفاسِ الخمائلِ نسمَة ٌ … بليلة ُ مهوى الذيلِ ،عاطرة ُ النشرِ

فقم نغتنِم صفوَ البكورِ، فإنَّها … غداة ُ زهرُها باسِمُ الثغرِ

تَرَى بَيْنَ سَطْحِ الأَرْضِ والْجَوِّ نِسْبَة ً … تُشَاكِلُ مَا بَيْنَ السَّحائِب والْغُدْر

ففى الجوِّ هتَّان يسيلُ ، وفى الثرى … سيولٌ ترامى بينَ أودية ٍ غزرِ

غَمَامَانِ فَيَّاضَانِ: هَذَا بِأُفْقِهِ … يَسِيرُ، وهَذَا فِي طِبَاقِ الثَّرَى يَسْرِي

وقد ماجتِ الأغصانُ بينَ يدِ الصبا … كَمَا رَفْرَفَتْ طَيْرٌ بِأَجْنِحَة ٍ خُضْرِ

كَأَنَّ النَّدَى فَوْقَ الشَّقِيقِ مَدَامِعٌ … تَجولُ بخدٍّ ، أو جُمانٌ على تبر

إذا غازَلتها لمعَة ٌ ذهبيَّة ٌ … مِنَ الشَّمْسِ رَفَّتْ كالشَّرارِ عَلى الْجَمْرِ

ففى كلِّ مَرعى لحظة ٍ وَشى ُ ديمَة ٍ … وفى كلِّ مرمى خطوة ٍ أجرعٌ مثرى

مروجٌ جلاها الزهرُ ، حتَّى كأنَّها … سماءٌ تروقُ العينَ بالأنجمِ الزهرِ

كأنَّ صِحافَ النورِ والطلُّ جامدٌ … مَبَاسِمُ أَصْدَافٍ تَبَسَّمْنَ عَنْ دُرِّ

وقَد شاقنى والصُبحُ فى خدرِ أمِّهِ … حَنِينُ حَمَامَاتٍ تَجَاوَبْنَ فِي وَكْرِ

هَتَفْنَ فَأَطرَبْنَ الْقُلُوبَ، كَأَنَّمَا … تعلَّمنَ ألحانَ الصَّبابة ِ من شعرى

وقامَ على الجدرانِ أَعرفُ لم يزَل … يبدِّدُ أحلامَ النِّيامِ ولا يدرى

تخايلَ فى موشيَّة ٍ عبقريَّة ٍ … مُهدَّلة ِ الأردانِ سابِغة ِ الأُزرِ

لَهُ كِبْرَة ٌ تَبْدُو عَلَيْهِ، كَأَنَّهُ … مليكٌ عليهِ التَّاجُ ينظرُ عن شزر

فَسَارِعْ إِلى دَاعِي الصَّبُوحِ مَعَ النَّدَى … لنجمِ بأيدى الَّلهوِ باكورة َ العمرِ

فقد نسَمَت ريحُ الشَّمالِ ، فنبَّهت … عيونَ القمارى وهى فى سنة ِ الفجرِ

وَنَادَى الْمُنَادِي للصَّلاة ِ بِسُحْرَة ٍ … فَأَحْيَا الْوَرَى مِنْ بَعْدِ طَيٍّ إلى نَشْرِ

فبادِر لميقاتِ الصَّلاة ِ ، ومِل بنا … إلى القصفِ ما بينَ الجزيرة ِ والنَّهرِ

إذا ما قضينا واجِبَ الدِّين حقَّهُ … فَلَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْخَلاَعَة ِ مِنْ وِزْرِ

ألا ربَّ يومٍ كانَ تاريخَ صبوة ٍ … مضى غيرَ إثرٍ فى المخيلة ِ أو ذكرِ

عَصَيْتُ بِهِ سُلْطَانَ حِلْمِي، وَقَادَنِي … إِلى اللَّهْوِ شَيْطَانُ الْخَلاعَة ِ والسُّكْرِ

لَدَى رَوْضَة ٍ رَيَّا الْغُصُون، تَرَنَّحَتْ … مَعَاطِفُهَا رَقْصاً عَلى نَغْمَة ِ الْقُمْري

تَدُورُ عَلَيْنَا بِالْمُدَامَة ِ بَيْنَها … تماثيلُ ، إلاَّ أنَّها بيننا تجرى

تَرَى كُلَّ مَيْلاءِ الْخِمارِ مِنَ الصِّبَا … هَضِيمَة ِ مَجْرَى الْبَنْدِ، نَاهِدَة ِ الصَّدْرِ

إِذَا انْفَتَلَتْ فِي حَاجَة ٍ خِلْتَ جُؤْذُراً … أحسَّ بصيَّادٍ فأتلعَ من ذعرِ

لَوَى قَدَّهَا سُكْرُ الْخَلاَعَة ِ والصِّبَا … فمالت بشطرٍ ، واستقامت على شطرِ

وعلَّمها وحى ُ الدلالِ كهانة ً … فإن نطقَت جاءت بشئٍ منَ السحرِ

أحسَّت بما فى نفسِها من ملاحة ٍ … فَتَاهَتْ عَلَيْنَا، وَالْمَلاَحَة ُ قَدْ تُغْرِي

وَأَعْجَبَها وَجْدِي بِها، فَتَكَبَّرَتْ … عَليَّ دَلالاً، وَهْيَ تَصْدُرُ عَنْ أَمْرِي

فَتَاة ٌ يَجُولُ السِّحْرُ فِي لَحَظَاتِهَا … مَجَالَ الْمَنَايَا فِي الْمُهَنَّدَة ِ الْبُتْرِ

إذا نظَرَت ، أو أقبَلت ، أو تهلَّلت … فويلُ مهاة ِ الرملِ ، والغُصن ، والبَدرِ

فَمَا زِلْنَ يُغْرِينَ الطِّلاَ بِعُقُولِنا … إلى أن سقطنا لليدينِ وللنَّحرِ

فَمِنْ واقِعٍ يَهْذِي، وآخَرَ ذاهِلٍ … لَهُ جَسَدٌ ما فِيهِ رُوحٌ سِوَى الْخَمْر

صَرِيعٌ يَظُنُّ الشُّهْبَ مِنْهُ قَرِيبَة ً … فيَسْدُو بِكَفَّيْهِ إِلى مَطْلَعِ النَّسْر

إذا ما دعوتَ المرءَ دارَ بلحظهِ … إِلَيْكَ، وَغَشَّاهُ الذُّهُولُ عَنِ الْجَهْرِ

بعيدُ عنِ الداعِى وإن كانَ حاضِراً … كَأَنَّ بِهِ بَعْضَ الْهَنَاتِ مِنَ الْوَقْرِ

تحكَّمتِ الصهباءِ فيهِم ، فغيَّرت … شمائلَ ما يأتى بهِ الجدُّ بالهذرِ

فَيَا سَامَحَ اللَّهُ الشَّبَابَ وَإِنْ جَنَى … على َّ ، وحيَّا عهدَهُ سَبلُ القطرِ

ملَكتُ بهِ أمرى ، وجاريتُ صبوتى … وَأَصْبَحْتُ مَرْهُوبَ الْحَمِيَّة ِ وَالْكِبْرِ

إِذَا أَبْصَرُونِي فِي النَّدِيِّ تَحَاجَزُوا … عنِ القولِ ، واستغنوا عنِ العرفِ بالنكر

وقالوا فتى ً مالَت بهِ نشوة ُ الصبا … وليسَ على الفتيانِ فى الَّلهوِ من حجرِ

يخافونَ منِّى أن تثورَ حميَّتى … فيبغونَ عطفى بالخديعة ِ والمكرِ

أَلا لَيْتَ هَاتِيكَ اللَّيَالِي وَقَدْ مَضَتْ … تعودُ ، وذاكَ العيشُ يأتى على قدرِ

مواسِمُ لذَّاتٍ تقضَّت ، ولم يَزَل … لها أثرٌ يطوى الفؤادَ على أثرِ

إذا اعتورتها ذُكرة ُ النَّفسِ أبصَرَت … لها صُورة ً تختالُ فى صفحة ِ الفكرِ

فذلِكَ عصرٌ قد مَضى لسبيلهِ … وخلفنى أرعى الكواكِبَ فى عصرِ

لَعَمْرُكَ مَا في الدَّهْرِ أَطْيَبُ لَذَّة ً … مِنَ اللَّهْوِ فِي ظِلِّ الشَّبِيبَة ِ والْيُسْرِ

0