رعت ناقتي من أم أعين رعية – الفرزدق

رَعَتْ نَاقَتي مِنْ أُمّ أعْيَنَ رَعْيَةً … يُشَلّ بهَا وَضْعاً إلى الحَقَبِ الضَّفْرُ

يَقُولُونَ، والأمْثَالُ تُضْرَبُ للأسَى: … أما لكَ عن شَيءٍ فُجِعتَ بهِ صَبرُ

وَما ذَرَفَتْ عَيناكَ إلاّ لِدِمْنَةٍ … بِحُزْوَى مَحتْها الرّيحُ بعدكَ وَالقَطْرُ

أقَامَ بهَا مِنْ أُمّ أعْيَنَ بَعْدَها … رَمَادٌ وَأحْجَارٌ بِرَابِيَةٍ قَفْرُ

وُقُوفاً بهَا صَحْبي عَليّ، كَأنّني … بهَا سَلَمٌ في كَفّ صَاحِبِهِ ثَأرُ

فَقُلْتُ لَهُمْ: سِيرُوا لِما أنْتُمُ لَهُ، … فَقَدْ طَالَ أنْ زُرْنَا مَنازِلَها الهجرُ

أما نَحْنُ رَاؤو أهْلِهَا غَيرَ هَذِهِ، … يَدَ الدّهْرِ، إلاّ أنْ يُلِمّ بهَا سَفْرُ

إذا كان رَأسُ المَرْءِ أشْيَبَ هَكَذا … وَلمْ يَنْهَ عَنْ جَهلٍ فليس لَهُ عُذرُ

وَمَغْبُوقَةٍ دُونَ العِيَالِ، كَأنّهَا … جَرَادٌ إذا أجْلى معَ الفَزَعِ الفَجْرُ

عَوَابِسَ ما تَنفَكّ تحتَ بُطُونِهَا … سَرَابِيلُ أبْطَالٍ بَنَائِقُها حُمْرُ

ترَكنَ ابنَ ذي الجَدَّينِ يَنشِجُ مُسنَداً … وَلَيسَ لَهُ إلاّ ألاءَتَهُ قَبْرُ

وَهُنّ بشِرْحافٍ تَدارَكْنَ دَالِقاً، … عُمَارَةَ عَبْسٍ بعدما جَنَحَ العَصْرُ

وَهُنّ على خَدَّيْ شُتَيرِ بن خَالِدٍ … أُثِيرَ عَجَاجٌ مِنْ سَنابكِها كُدْرُ

وَيوْماً على ابن الحَوْنِ جالَتْ جيادُهم … كما جالَ في الأيدي المُجَرَّمةُ السُّمرُ

إذا سُوّمَتْ للبَأسِ أغْشَى صُدُورَها … أُسُودٌ عَليها المَوْتُ عادتُها الهَصْرُ

غَداةَ أحَلّتْ لابنِ أصْرَمَ طَعْنَةٌ، … حُصَينٌ، عَبيطاتِ السّدائفِ والخَمرُ

بها زَايلَ ابنُ الجَونِ مُلكاً وَسَلّبَتْ … نِسَاءٌ على ابنِ الجَوْنِ جدّعها الدّهرُ

خَرَجنَ حَرِيرَاتٍ وَأبْدَينَ مِجْلَداً … وَجالَتْ عَلَيهنّ المُكَتَّبَةُ الصّفْرُ

إذا حَلّتِ الخَرْمَاءَ عَمرُو بنُ عامِرٍ … وَسَالَتْ عَليها مِنْ مَناكِبها بَكرُ

بحَيٍّ جُلالٍ يَدْفَعُ الضَّيْمَ عَنهُمُ … هَوَادِرُ في الأجَوافِ لَيسَ لها سَبرُ

رَأيْتُ تَميماً يَجْهَشُونَ إلَيْهِمُ، … إذا الحَرْبُ هَزّتها كَتَائِبُها الخُضرُ

وَإنْ هَبَطَتْ أرْطَى لُهابٍ ظَعِينَةٌ … تميمِيّةٌ حَلّتْ إذا فَزِعَ النَّفْرُ

وَلَيْسَ رَئِيسٌ زَارَ ضَبّةَ مُخْطِئاً … يَدَيْهِ اصْفِرَارٌ بالأسِنّةِ أوْ أسْرُ

يَهُزّونَ أرْمَاحاً طِوَالاً مُتُونُهَا، … بهِنّ الغِنى يَوْمَ الوَقِيعَةِ وَالفَقْرُ

وَأوْثَقُ مَالٍ عِنْدَ ضَبّةَ بِالغِنى، … إذا احْتَرَبَ النّاسُ، الإباحَةُ وَالقسرُ

وَكَانَتْ إذا لاقَتْ رَئيساً رِمَاحُهُمْ … عَلَيِهنَّ أنْ يَبعَجْنَ سُرّتَهُ نَذْرُ

وَزَائِرَةٌ آبَاءَهَا بَعْدَمَا التَقَتْ … جَوَانحُهَا مَا كانَ سِيقَ لها مَهْرُ

إذا مَا ابنُها لاقَى أخَاهَا تَعَاوَرَا … عُيوناً من البَغضَاء أبْصَارُها خُزْرُ

وَيَمْنَعُها مِنْ أنْ يَقُولَ: سَبِيّةٌ، … بَنُونَ لهَا مِنْ غَيرِ أُسْرَتِها زُهْرُ

فَما ضَرّ إهْلاكُ الكَرَائِمِ غَالِباً … مِنَ المالِ إذْ وَارَى شَمائلَهُ القَبْرُ

وَلا حاتِماً، أزْمَانَ لَوْ شَاءَ حاتِمٌ … مِنَ المَالِ وَالأنْعامِ كانَ لَهُ وَفْرُ

وَما قَبَضَتْ كَفّاً يَدٌ دُونَ مَالِهَا … لِتَمْنَعَهُ، إلاّ سَيَمْلِكُهُ الدّهْرُ