دعاها تشم آثار نجد ففي نجد – لسان الدين الخطيب

دعاها تشم آثار نجد ففي نجد … هوى هاج منها ذكره كامن الوجد

ولا تصرفاها عن ورود جمامه … فكم شرقت بالريق في مورد الجهد

يذيب ثراها الشوق لولا مدامع … تحل عراها في المحاجر والخد

وتصبو إلى عهد هنالك سالف … فتبدي من الشوق المبرح ما تبدي

حملن نشاوى من سلاف صبابة … تميل بهم ميل المنعمة الملد

إذا هب هفاف النسيم تساقطوا … فكف إلى قلب وأخرى على خد

نشدتكما بالله هل تبصرانها … معالم محتها الغمائم من بعدي

عفت غير سفع كالحمام جواثم … وغير جدار مثل حاشية البرد

وموقد نار يستطير رماده … ونؤي كما دار السوار على الزند

وغير ظباء في رباها كوانس … تفيأن في أفيائها دوحة الزند

قفوا نشتكي ما نلاقي من الهوى … وننح على يوم الرحيل ونستعدي

ونهد إلى الأجفان إثمد تربها … فما اكتحلت من بعده بسوى السهد

سنسأل عن سكانها نفس الصبا … لعل نسيم الريح يخبر عن هند

إذ العيش غض والشبيبة وارف … جناها وشمل الحي منتظم العقد

مفارق ما راع البياض سوادها … وأفئدة لم تدر ما ألم الصد

ووصل كأنا منه في سنة الكرى … وعيش كأنا منه في جنة الخلد

مرابع ألا في وعهد أحبتي … سقى الله ذاك العهد منسكب العهد

وجاد به من جود يوسف ساجم … ملث همول دون برق ولا رعد

وإن أحق الغيث أن يحيي الربا … ويروي غمام صاب من منشىء المجد

إمام هدى من آل سعد نجاره … ونصر الهدى ميراثه لبني سعد

مآثره تلتاح في صحف العلا … وآثاره تستن في سنن الرشد

إذا هم أمضى الله في الأرض حكمه … وما لقضاء الله في الأرض من رد

أقول لركب ينتحي طرق السرى … ويخبط في جنح من الليل مزبد

تهادا مطاياه التهائم والربى … ويرمي به غور الفلاة إلى نجد

وقد أخلف الغيث السكوب ديارها … وأفضى بها هزل السنين إلى جد

ولم يبق منها الأزل غير حشاشة … تنازعها اللاواء في العظم والجلد

أريحوا فقد يممتم حضرة الندى … وأوردتم في مورد الرفق والرفد

بحيث بلوغ القصد ليس بنازح … لراج ولا باب الرجاء بمنسد

ولذتم من الدهر الظلوم بناصر … يرد شباة الدهر مفلولة الحد

به جمع الله القلوب على الهدى … وأذهب ما تخفي الصدور من الحقد

وأحيى رسوم الفضل وهي دوارس … وأطلع من نور الهداية لمن يهدي

فما روضة بالغور عاهدها الحيا … وحلت حبا الأنواء في ذلك العقد

وحجبها عن ناظري الشمس فانثنت … تستر في ظل من الغيم ممتد

وبث نسيم الروض فيها تحية … قريبة عهد باجتياز على الهند

وفض فتيت المسك في جنباتها … فأرعف آناف الشقائق والورد

بأعطر عرفا من أريج ثنائه … إذا نشرت آثاره صحف الحمد

أناصر دين الله وابن نصيره … على حين لا يغني نصير ولا يجدي

طلعت على الدنيا بأيمن غرة … أضاء بها نور السعادة في المهد

وكم رصدت منا العيون طلوعها … فحقق نصر الله في ذلك الرصد

ولما عرت هذه الجزيرة روعة … وأصبح فيها الرعب ملتهب الوقد

وأوجف خوف الكفر شم هضابها … تداركت منها كل واه ومنهد

هززت إلى إعزازها كل ذابل … وقدت إلى إصراخها كل ذي لبد

وشمت سيوف الحق والله ناصر … وجهزت قبل الجيش جيشا من السعد

وقلت لنفس العزم هبي وشمري … وهذا أوان الشد في الله فاشتدي

ولو لم تقد جيشا كفتك مهابة … من الله تغني عن نصير وعن جند

ولكن جنبت الجرد قبا بطونها … فأقبلن أسرابا كمثل القطا تردي

وما راع ملك الروم إلا طلوعها … بوارق تدعى بالمطهمة الجرد

وغابا من الخطي تحت ظلاله … أسود من الأنصار تفتك بالأسد

فلما استفز الذعر منك فؤاده … وحقق معنى الفضل في ذلك الحد

وما برحت والله ناصر دينه … قضاياه في عكس لديك وفي طرد

رمى بيد الإذعان للسلم رهبة … وخاطب يستدعي رضاك ويستجدي

فرحمى لحيى لم تجره فإنه … فريد وإن أضحى من القوم في عد

وأصرخ نصر الله دعوة صارخ … طويت له تحت الدجى شقة البعد

وبشرى لأرض قد سلكت بأهلها … من السنن الأرضي على واضح القصد

جمعت بها الأهواء بعد افتراقها … فأصبح فيها الضد يأنس بالضد

ويهنيك هذا العيد أسعد وافد … أتاك مع النصر العزيز على وعد

طوى البعد عن شوق وحط ركابه … ببابك باب الجود في جملة الوفد

فأوليتنا في ظله كل نعمة … هي القطر لا يحصى بحصر ولا عد

وفاضت بهتان الندى منك راحة … هي البحر لا ينفك حينا عن المد

ودونكها من بحر فكري لآلئا … تقلد في نحر وتنظم في عقد

يسير بها ركب النسيم إذا سرت … سراع المطايا في ذميل وفي وخد

تقوم بآفاق البلاد خطيبة … تترجم عن حبي وتخبر عن ودي

كأن العراقيين عند سماعها … وقد غص حفل القوم نحل على شهد

يقولون إن هبت من الحمد نفحة … فليس لهذا الند في الأرض من ند

سقى الله قطرا أطلعتك سماؤه … وبورك في مولى كريم وفي عبد