جوى ً ساورَ الأحشاءَ والقلبَ واغلهْ – أبو تمام

جوى ً ساورَ الأحشاءَ والقلبَ واغلهْ … ودمعٌ يضيمُ العينَ والجفنَ هاملُهْ

وفاجعٌ موتٍ لا عدواً يخافهُ … فيبقي ولا يبقي صديقاً يجاملهْ

وأيُّ أخي عزاءَ أو جبرية ٍ … يُنَابذُه أَوْ رَامٍ يُنَاضِلُهْ

إذا ما جرى مجرى دمِ المرءِ حكمُهُ … وبُثَّتْ على طُرْقِ النُّفُوسِ حَبَائِلُهْ

فَلَوْ شَاءَ هذا الدَّهْرُ أقصَرَ شَرُّهُ … كَما قَصُرَتْ عنَّا لُهَاهُ ونَائِلُهْ

سنشكوهِ إعلاناً وسراً ونية ً … شَكِيَّة مَنْ لا يَسْتطِيعُ يُقَاتِلُهْ

فمنْ مبلغٌ عني ربيعة َ أنَّه … تقشَّعَ طَلُّ الجُودِ مِنْها ووَابِلُهْ 

وأنَّ الحجى منها استطارتْ صدوعُه … وأنَّ الندى منها أصيبتْ مقاتلُهْ ؟

مَضَى لِلزيَالِ القَاسِمُ الوَاهِبُ اللُّهَى … ولَوْ لمْ يُزَايِلْنا لَكُنَّا نُزَايِلُهْ

ولم يَعلَمُوا أَنَّ الزَّمانَ يُرِيدُه … بفجعٍ ولا أنَّ المنايا تراسلُهْ

فتى سيطَ حبُّ المكرماتِ بلحمهِ … وخامرَه حقُّ السماح وباطلهْ

فتى لمْ يذقْ سكرَ الشبابِ ولم تكنْ … تَهُبُّ شَمالاً لِلصَّديقِ شَمائِلُهْ

فَتًى جَاءَهُ مِقدَارُهُ واثنَتا العُلا … يداهُ وعشرُ المكرماتِ أنامِلُهْ

فَتًى يَنْفَجُ الأقوامُ مِن طيبِ ذِكرِهِ … ثناءً كأنّ العنبر الوردَ شاملهْ

لقد فجعتْ عتابُهُ وزهيرهُ … وتغلبهُ أخرى الليالي ووائلهْ

وكانَ لهمْ غَيْثاً وعِلْماً فمُعْدِمٍ … فيسأله أوْ باحثٍ فيسائلهُ

ومُبْتَدرُ المَعْرُوفِ تَسْرِي هِبَاتُه … إليهمْ ولاتَسري إليهم غَوائِلُهْ

فتى لم تكنْ تغلي الحقودُ بصدرِهِ … وتغلي لأضيافِ الشتاء مراجلُهْ

مَلِيكٌ لأِمْلاَكٍ تُضيفُ ضُيُوفُه … ويُرْجَى مُرَجيه ويُسْأَلُ سَائِلُهْ

طَوَاهُ الرَّدَى طَيَّ الكِتابِ وغُيبَتْ … فضائلهُ عن قومِه وفواضلُهْ

طوَى شِيَماً كانَتْ تَرُوحُ وتَغتدِي … وسَائلَ مَنْ أعيَتْ عليهِ وسَائِلُهْ

فيا عارضاً للعرفِ أقلعَ مزنُه … ويا وادياً للجودِ جفَّتْ مسائلُهْ

أَلَمْ تَرَني أنزَفْتُ عَيْني على أبي … مُحَمّدٍ النَّجمِ المُشَرقِ آفِلُهْ

وأخْضَلْتُها فيهِ كما لَوْ أتَيْتُه … طريدَ الليالي أخضلتني نوافلهْ

ولكنَّني أُطْري الحُسَامَ إِذَا مَضَى … وإِنْ كانَ يومَ الرَّوْعِ غيريَ حامِلُهْ

وآسَى على جَيْحانَ إِذْ غاضَ مَاؤُه … وإنْ كانَ ذوداً غير ذودي ناهِلهْ

عليكَ أَبَا كُلْثُومٍ الصَّبْرَ إِنَّني … أرى الصبرَ أخراهُ تقى وأوائلهً

تَعَادَلَ وَزْناً كلُّ شيءٍ ولا أرى … سِوَى صِحَّة ِ التًّوْحِيدِ شيئاً يُعَادِلُهْ

فأنتَ سَنَامٌ للفخارِ وغارِبٌ … وصِنْوَاكَ مِنْهُ مِنْكَبَاهُ وكاهِلُهْ

وليستْ أثافي القدرِ إلا ثلاثُها … ولا الرَّمْحُ إلاّ لَهْذَمَاهُ وعامِلُهْ