جهادُ هوًى لكن بغير ثواب – لسان الدين الخطيب

جهادُ هوًى لكن بغير ثواب … وشكوى جوًى لكن بغيرِ جواب

وعمر تولَّى في لعل وفي عسى … ودهر تقضَّى في نوًى وعِتاب

أما آن للمنبتِّ في سبلِ الهوى … بأن يهتدي يوماً سبيل صواب

تأمَّلتها خلفي مراحل جُبْتُها … يناهِزُ فيها الأُربعين حِسابي

جرى بي طِرْفُ اللهو حتى شكا الوجا … وأقفر من زادِ النّشاطِ جرابي

وما حصلَتْ نفسي عليها بطائِلٍ … ولا ظفِرتْ كفي ببعض طِلاب

نصيبي منها حسرة ٌ كونُها مضت … بغير زكاة ٍ وهي مثلُ نِصاب

وما راعني والدَّهرُ ربُّ وقائعٍ … سجال على أبنائِهِ وغِلابِ

سوى شعراتٍ لُحْنَ من فوق مفرقي … قَذَفن لشيطان الصِّبا بِشهاب

أبحن ذِماري وانتهبْنَ شَبيبتي … أهُنُّ نصولٌ أم نُصولُ خِضابي

وقد كنت بهْوِي الروض طيبَ شمائلي … ويمرَحُ غصنُ البان طيِّ ثِيابي

فمنْذُ كتب الوخطُ الملمُ بعارضي … حُروفاً أتى فيها بمحضِ عِتاب

نسختُ بما قد خطَّه سُنَّة الهوى … وكم سنَّة ٍ منسوخة ٍ بكتابِ

سلامٌ على تلك المعاهدِ إنها … مرابِعُ أُلا في وعهد صِحابي

ويا آسة العهدِ انعمي فلطالما … سكبتُ على مثواكِ ماءَ شَبابي

كأنِّي بذات الضَّالِ يعجب من فتًى … تذكَّر فيها اللَّهو بعد ذَهابِ

تقول أذكري بعدما بان جيرَتي … وصوَّحَ روضي واقشعرَّ جَنابي

وأصبحْتُ من بعد الأوانِسِ كالدُّمى … يَهولُ حُداة ُ العيس جَوْبَ يَباب

تغارُ الرِّياح السافيات بطارفي … فما إن تُريمُ الرَّكضَ حولَ هضاب

فإن سجعَ الرُّكبان فيَّ بمدحة … حثتت في وجوهِ المادِحين تُرابي

ألم تعلموا أن الوفاءَ سجيَّتي … إذا شحطَتْ داري وشطَّ رِكابي

سقاكِ كدمعي أو كجودِكِ وابلٌ … يقلِّد نحر الحوضِ درَّ حباب

ولا برحتْ تهفو لمعهدكَ الصَّبا … ويسحبُ فيه المزنُ فضل سَحابِ

سِواي يروعُ الدّهرَ أو يستفزُّهُ … بيوم فراقٍ أو بيوم إيابِ

وغيري يثني الحِرصُ ثني عنانِهِ … إلى نيل رفْدٍ والتماسِ ثوابِ

تملأتُ بالدنيا الدَّنية ِ خِبرة ً … فأعظم ما بالناس أيسر ما بي

وأيقنْتَ أن الله يمنعُ جاهداً … ويرزُقُ أقواماً بغير حسابِ

فيا ذلَّ أذن همُّها إذن حاجب … ويا هونَ وجهٍ خلف سدة ِ بابِ

وقد كان همِّي أن تُعاني مطيَّتي … ببعض نباتِ النِّيل خوض عُباب

وأُضحي ومحراب الدُّمى متهجدي … وأمسي وماءُ الرافدين شَرابي

وتضحكُ من بغدادَ بيض قبابها … إذا ما تراءت بالسَّواد قِبابي

ولكن قضاءُ يغلبُ العزمَ حُكمهُ … ويضربُ من دون الحجابِ حجاب

يقولون لي حتى تندُبُ فائتا … فقُلتُ وحُسن العهدِ ليس بعاب

إذا أنا لم آسفْ على زمن مضى … وعهدٍ تقضَّى في صِباً وتصاب

فلا نظمَتْ درَّ القريضِ قريحتي … ولا كانت الآدابُ أكبرَ دابي