تولَّى الصِّبا عَنِّى ، فكيفَ أعيدهُ – محمود سامي البارودي

تولَّى الصِّبا عَنِّى ، فكيفَ أعيدهُ … وقَدْ سارَ فى وادى الفَناءِ بريدهُ ؟

أُحاولُ منهُ رجعة ً بعدَ ما مضى … وذَلِكَ رَأْيٌ غَابَ عَنِّي سَدِيدُهُ

فَمَا كُلُّ جَفْرٍ غاضَ يَرْتَدُّ نَبْعُهُ … ولا كلُّ ساقٍ جفَّ يخضَرُّ عودهُ

فإن أكُ فارقتُ الشَّبابَ فقبلهُ … بكيتُ رضاعاً بانَ عنِّى حميدهُ

وأى ُّ شبابٍ لا يزولُ نعيمهُ ؟ … وسِربالِ عيشٍ ليسَ يبلى جديدهُ ؟

فلا غروَ إن شابت منَ الحزنِ لِمَّتى … فإنِّى فى دهرٍ يشيبُ وليدهُ

يهدِّمُ من أجسادنا ما يشيدهُ … وَيَنْقُصُ مِنْ أَنْفَاسِنَا مَا يَزِيدُهُ

أَرَى كُلَّ شَيْءٍ لا يَدُومُ، فَمَا الَّذِي … ينالُ امرؤٌ من حبِّ ما لا يفيدهُ ؟

وَلَكِنَّ نَفْساً رُبَّمَا اهْتَاجَ شَوْقُهَا … فَحَنَّتْ، وقَلْباً رُبَّمَا اعْتَادَ عِيدُهُ

فَوَا حَسْرَتَا كَمْ زَفْرَة ٍ إِثْرَ لَوْعَة ٍ … إِذَا عَصَفَتْ بِالقَلْبِ كادَتْ تُبِيدُهُ

أَحِنُّ إِلَى وادِي النَّقَا، ويَسُرُّنِي … عَلَى بُعْدِهِ أَنْ تَسْتَهِلَّ سُعُودُهُ

وأصدقُهُ وِدَّى ، وإن كنتُ عالماً … بأنَّ النقا لم يَدنُ منِّى بعيدهُ

معانُ هوى ً تجرى بدمعى وِهادهُ … وتُشرقُ من نيرانِ قلبى نُجودُهُ

تَضِنُّ بِإِهْداءِ السَّلامِ ظِباؤُهُ … وتُكْرِمُ مَثْوَى الطَّارِقِينَ أُسُودُهُ

تساهمَ فيهِ البأسُ والحسنُ ، فاستوتْ … ضراغمهُ عندِ اللِّقاءِ وغِيدهُ

تلاقَت بهِ أسيافهُ ولِحاظه … ومالت بهِ أَرماحهُ وقُدودهُ

فَكَمْ مِنْ صَرِيعٍ لا تُدَاوَى جِرَاحُهُ … وكم مِن أسيرٍ لاتحلُّ قيودهُ

وفى الحى ِّ ظبى ٌ إن ترنَّمتُ باسمهِ … تَنَمَّرَ وَاشِيهِ، وهَاجَ حَسُودُهُ

تَهيمُ بهِ أستارهُ وخدورهُ … وتَعْشَقُهُ أَقْرَاطُهُ وعُقُودُهُ

تَأَنَّقَ فِيه الحُسْنُ فامْتَدَّ فَرْعُهُ … إِلَى قَدَمَيْهِ واسْتَدارَتْ نُهُودُهُ

فَلِلْمِسْكِ رَيَّاهُ، ولِلْبَانِ قَدُّهُ … ولِلْوَرْدِ خَدَّاهُ، وللظَّبْيِ جِيدُهُ

فَإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ يَا صَاحِ بِالْهَوَى … فإنَّ الرَّدى حِلفُ الهوى وعَقيدهُ

ومَا أَنَا مِمَّنْ يَرْهَبُ الْمَوْتَ إِنْ سَطَا … إذا لم تكُن نُجلَ العيونِ شهودُهُ

أفُلُّ أنابيبَ القنا ، ويفلنى … قَوَامٌ تَنَدَّتْ بالْعَبِيرِ بُرُودُهُ

فإن أنا سالَمتُ الهوى َ فلَطالما … شهِدتُ الوغى َ والطَّعنُ يَذكو وَقودهُ

وتَحْتَ جَنَاحِ الدِّرْعِ مِنِّي ابْنُ فَتْكَة ٍ … مُعَودة ٌ ألاَّ تُحَطَّ لُبودهُ

إذا حرَّكتهُ هِمَّة ٌ نحوَ غاية ٍ … تَسَامَى إِلَيْهَا في رَعِيلٍ يَقُودُهُ

ومُعْتَرَكٍ لِلْخَيْلِ في جَنَبَاتِهِ … صَهِيْلٌ يَهُدُّ الرَّاسِيَاتِ وَئِيدُهُ

بعيدِ سماءِ النَّقعِ ، ينقضُّ نسرهُ … على جُثَثِ القتلى ، وينغلُّ سيده

تَرفُّ على هامِ الكماة ِ سُيوفهُ … وتَخفقُ بينَ الجحفَلينِ بنودهُ

إِذَا اشْتَجَرَتْ فِيهِ الرِّماحُ تَراجَعَتْ … سَوَافِرَ عَنْ نَصْرٍ يُضِيءُ عَمُودُهُ

تَقَحَّمْتُهُ والرُّمْحُ صَدْيَانُ يَنْتَحِي … نِطافَ الكُلى ، والموتُ يمضِى وَعيدهُ

فَمَا كُنْتُ إِلاَّ الْغَيْثَ طَارَتْ بُروقُهُ … وما كُنْتُ إِلاَّ الرَّعْدَ دَوَّى هَدِيدُهُ

أَنَا الرَّجُلُ الْمَشْفُوعُ بِالفِعْلِ قَوْلُهُ … إِذا ما عَقِيدُ الْقَوْمِ رَثَّتْ عُقُودُهُ

تعوَّدتُ صِدقَ القولِ حتَّى لو أنَّنى … تَكَلَّفْتُ قَوْلاً غَيْرَهُ لا أُجِيدُهُ

أُضاحِكُ وَجْهَ الْمَرْءِ يَغْشَاهُ بشْرُهُ … وأَعْلَمُ أَنَّ الْقَلْبَ تَغْلِي حُقُودُهُ

ومَنْ لمْ يدارِ النَّاسَ عاداهُ صحبهُ … وأَنْكرهُ منْ قومهِ مَنْ يسودُهُ

فَمَنْ لِي بِخِلٍّ أَسْتَعِينُ بِقُرْبِهِ … على أملٍ لم يبقَ إلاَّ شريدهُ

أُحاولُ وِدّاً لا يُشان بِغدرة ٍ … ودُونَ الَّذِي أَرْجُوهُ مَا لاَ أُرِيدُهُ

سَمِعْتُ قَدِيماً بِالْوَفَاءِ فَلَيْتَنِي … عَلِمْتُ عَلَى الأَيَّامِ أَيْنَ وُجُودُهُ

فإن أنا لمْ أملِكْ صَديقاً فإنَّنى … لِنفسى صديقٌ لا تخيسُ عهودهُ

وَحَسْبُ الْفَتَى مِنْ رَأْيِهِ خَيْرُ صَاحِبٍ … يُوازِرُهُ في كُلِّ خَطْبٍ يَئُودُهُ

إذا لمْ يكُن للمرءِ مِنْ بدَهاتهِ … نَصيرٌ، فأخلَق أَنْ تَخيبَ جدودهُ

وإنِّى وإن أصبَحتُ فرداً فإنَّنى … بنَفسى ِ عشيرٌ ليسَ ينجو طريدهُ

وَلِي مِن بَدِيعِ الشِّعْرِ ما لَوْ تَلَوْتُهُ … على جبلٍ لانهالَ فى الدَوِّ رِيدهُ

إِذَا اشْتَدَّ أَوْرَى زَنْدَة َ الْحَرْبِ لَفْظُهُ … وَإِنْ رَقَّ أَزْرَى بِالْعُقُودِ فَرِيدُهُ

يقطِّعُ أنفاسَ الرِّياحِ إذا سرى … ويسبقُ شأوَ النَّيِّرينِ قَصيدهُ

إِذَا ما تَلاهُ مُنْشِدٌ في مَقَامَة ٍ … كَفَى الْقَوْمَ تَرْجِيعَ الْغِناءِ نَشِيدُهُ

سيبقى بهِ ذكرى علَى الدَّهرِ خالداً … وذِكْرُ الفَتَى بَعْدَ الْمَمَاتِ خُلُودُهُ

كلمات: محمد العبدالله الفيصل

ألحان: طلال مداح