تنفَّسَ عن وَجْدٍ تَوقَّدَ جمرُهُ – عبدالغفار الأخرس

تنفَّسَ عن وَجْدٍ تَوقَّدَ جمرُهُ … فأجرى مَسيلَ الدَّمع يَنهلُّ قَطرُهُ

وبات يعاني الهَمَّ ليس ببارحٍ … على قلبه إقدامه ومكرُّه

تمنّى وما يغني التمنّي مطالباً … حَرِيٌّ به لولا الدَّنيَّة ُ دهره

ودون أمانيه عوائق جمّة … يضيق لها في المنزل الرحب صدره

تحمَّل أعباءُ المتاعب والتقى … على غرّة صرف الزمان وغدره

وأشقى بني هذا الزمان أريبه … وأتعبُ من فيه من الناس حرُّه

وربَّ خميص البطن مما يشينه … ينوءُ بأثقال الأبوَّة ظهره

له كلّ يوم وقفة بعد وقفة … يهيجُ جوى أحشائه وتقرّه

يطول مع الأيام فيها عتابه … ويسهر ليلاً ما تبلّجَ فجره

يشيم سنا برق المطامع وامضاً … تألَّقَ إلاّ إنّه لا يغرّه

فأمسى يغضّ الطرف عنه ودونه … وقوف الفتى يفضي إلى الضّيم أمره

وحالَف مختاراً على العزّ نفسه … إباءً ولم يُؤخَذْ على الذُلِّ إصره

بنفسي امرؤ يقسو على الدهر ما قسا … ولم يتصدَّع في الحوادث صخره

إذا ما رأى المرعى الدنيّ تنوشه … يَدُ الرذل يُستحلى مع الهون مرُّه

تَناول أفنان الخُصاصة وارتدى … بفاضل ذيل الفخر يُسْحَبُ طمره

جليد على عسر الزمان ويسره … وما ضَرَّه عُسُر الزمان ويسره

فلا البؤسُ والإقلال مما يسوؤه … وليس ثراءُ المال مما يسره

لئن تخلص الإبريزَ نارُ التجارب سكبه … إلى ٌ أنْ صفا من شائب الزِّيف تبره

قريبُ مجاني الجود من مستميحه … بعيدٌ على من سامهُ الخسفَ غوره

فلا يأمنَّن الدهرَ مكري فإنّني … من القوم لم يؤمن بمن ساء مكره

وما أنا بالمدفوع إن ضيم شرّه … ولا أنا بالممنوع إن سيمَ خيره

منحتُ الصّبا عذب الموارد في الهوى … بمبتسم باللؤلؤ الرطب ثغره

قضيتُ به عهد الشباب وعصره … فهل راجعٌ عهدُ الشباب وعصره؟

تفتَّحَ نوّار المشيب بلمَّتي … وأينعَ في روض الشبيبة زهره

وما فاتني هذا الوقار الذي أرى … إذا فاتني وصل المليح وهجره

صحا والهوى العذريُّ باقٍ خماره … بنشوانَ من خمر الصبابة سكره

معذّبتي من غير جُرم يلومها … وأعذبُ شيءٍ في هواكِ أمرَّه

أرابك منّي أنْ أقمتُ بموطن … تجوعُ ضواريه وتشبع حمره

وكيف أخاف الفقر أو أُحرم الغنى … هذا ندى عبد الغنيّ ووفره

فلا زال موصولاً من الله لطفه … إليَّ ومسبولاً من الله ستره

بأبلج وضاح الجبين أغرّه … فللّه وضّاح الجبين أغرّه

كما لم يزل منّي عليه ولم يَزَلْ … ثنائي على طول الزمان، وبرّه

كفاني مهمّات الأمور جميعها … فما سرَّني أن ساءني الدهر غيره

وما بات إلاّ وهو في الخطب كالئي … بطرف يريع الدهر إذ ذاك شزره

وما لامرئٍ عندي جميلاً أعدُّه … وكيف وقد غطّى على البحر نهره

وإنَّ الجميل المحضَ معنى ً وصورة ً … خلائقه بين الأنام وذكره

حياة جميل الصنع فيها حياته … وعمر المعالي والأبوّة عمره

حياض العطاء المستفاض أكفُّه … ومن فيضها جزل العطاء وغمره

يمينٌ كصوب المزن يهرق جودها … ووجه كروض الحزن قد راق بشره

دعاه إلى المعروف من نفسه لها … وتلك سجاياه وذلك طوره

أدَرَّتْ له أخْلاف كُلِّ حَلُوبَة ٍ … من المجد حتّى قيل لله دَرُّه

تتصّل هذا الدهر من ذنبه به … فلا تعتبنّ الليل والصبح عذره

فما ذنبه من بعد ذلك ذنبه … ولا وزره من بعد ذلك وزره

ولي منه ما أهدي لديه وأبتغي … ومنّي له المدح الذي طاب نشره

فيا قمراً في أفق كلّ أبية ٍ … سريع إلى المعروف والبرّ سيره

فداؤك نفسي والمناجيب كلّها … ومن سرَّه في الناس أنَّك فخره

أفي الناس إلاّ أنتَ من عَمَّ خيرُه … بيوم على الدنيا تطايَرَ شرّه

وما غيرك المدعوُّ إن شبَّ جمرها … وأنشبَ نابُ الخطب فينا وظفره

قواضٍ على صرف الحوادث بيضه … مواضٍ لعمري في الكريهة سمره

إذا ما غزا معروفه النكر مرَّة ً … فللّه مغزاه وبالله نصره

تدفَّق في حوض المكارم جوده … وحَلَّق في جَوٍّ من الفخر صقره

فهل يعلمنَّ المجدُ أنّك فخره … وهل يَعْلَمنَّ الجود أنَّك بحره

ومستعصم بالعزِّ منك وثوقه … إليك إذا هاب الدنايا مفره

وما خفيت حال عليك ظهروها … وكيف وسرُّ العَبد عندك جهره

فلا تحسبّني من ثراك مملّقاً … وربَّ غنيٍّ ليس يبرح فقره

وليس فقيراً من رآك له غنى ً … ولا آيساً من أنتَ ما عاش ذخره

فشكراً لأيديك التي قد تتابعت … إليَّ بما يستوجب الحمد شكره

ولو نظم الجوزاء فيك لما وفى … بها نظمه المثني عليك ونثره

وما يملأ الأقطار إلاّ ثناؤه … ويعذب إلاّ في مديحك شعره